
والدليل على أن من العلوم ما هو مكتسب للعباد ومنها ما يقع ضرورة: أن الإنسان قد تحصل له علوم لم يتكلفها ولم يتسبب إلى اكتسابها؛ حتى يكون كالمحمول عليها، بحيث لا يجد إلى دفعها سبيلا، ويجد أيضا علوما تقع مكتسبة له، فتكون مقصورة على حسب إرادته وتنتفي عند الكراهية ، والإنسان يجد من نفسه الفرق بين الحالتين والتمييز بين العلمين.
فدل ذلك على أن جميع العلوم ليست ضرورية، وليس كلها أيضا تقع كسبية، وإن كان منها ما هو ضروري، وهو ما لا يمكنه دفعه عن نفسه، ومنها ما هو كسبي، وهو ما يمكنه دفعه عن نفسه، ويكون حصوله وانتفاؤه على حسب إرادته وكراهته، وهذا هو الفرق بين الضروري والكسبي. واستشهدوا في العلوم بالحركات الضرورية، كحركة المرتعش التي تحصل من غير اختيار، وبالحركات الإرادية التي تتوقف على الاختيار .
ويقال لهؤلاء: قد علمتم اختلاف الناس في العقائد، فإن حكمتم بأن جملة الاعتقادات علوم ضرورية؛ جركم ذلك إلى جحد الضرورات؛ فإن العلم إنما يتصور بالشيء على ما هو به. وإن حكمتم بأن معتقد نفي الشيء عالم كمعتقد إثباته؛ لزم من ذلك ثبوته ونقيه، فقد جر مساق القول بادعاء الضرورة إلى جحد الضرورة. وإن زعموا: أن بعض الاعتقادات ليس من قبيل العلوم، فيقال لهم: أوضحوا العلوم، ولا سبيل إلى ذلك، ولا يرجعون إلا إلى التحكم المحض.
ثم نقول: نحن نعلم على اضطرار فصل العاقل بين علمه بنفسه وصفاتها التي يشترط في ثبوتها الحياة، وبين علمه بالجزه الفزد ودقائق الأكوان والانفصال عن أسيلة النظام، فمن زعم أن الجميع في حقه بمثابة واحدة،