وثمة معني آخر أراه مناسباً ـ والله تعالي أعلم ـ وهو أن القَلْب السَّليم ـ الذي يَسْبَحُ تذكرا وتفكُّراً في كمالاتِ الله ـ إذا ذكر ما يَنْسُبُه الظالمون الجاهلون من السُّوء والنَّقْصِ والعَيْبِ إلى رَبِّه ، فإنه يَحْزنُ ويأسفُ ويَغتم ويَبْرَأُ إليْه تعالي عَمَّا يقولون ، كما يَذِلّ ويُخْبِت وتضامن لعظمة الله سُبْحَانه أَنْ تجرأَ عليه الكفرة الفجرة ، فما أجمل أن يتواطأ البدن واللسان مع القلب في ذلك فينخفض البدن ( الرأس والصدر ) بنوعي الانخفاض ركوعاً وسجوداً مع التسبيح بذكر الصفات المقابلة لذلك كما تقدم ، فانخفاض البدن وذُلّهُ نَاسَبَ جداً انخفاضَ القلبِ وذِلَّه بالتسْبيح ، ويمكن قياسُ ذلك على انخفاض البَصَر وذُلِّه وكَلاَلَته بعد تَطلُّعِه في خَلْقِ الرَّحْمن مَّرات وكَرَّات يَبْحَثُ عن تفاوتٍ أو فطورٍ فلم يَجدْ شيئا ، واستَحكم يَأسُه أن يجد - فما هو إلا الكمال ـ فارتد خَاسِئاً وهو حَسِير . قال تعالي ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ ) الملك 3، 4 خَاسِئا : ذليلا صاغرا ، حَسِيرٌ : منقطع من الإعياء وقد انكشف له عَجْزه وَيَأْسُه مِنْ كثرة التكرُّرِ ولا يرى نقصا . وأيضاً ما يكاد أن يحدث للسَمَاوات والأرض والجبال من هدمٍ وانخفاض فَزَعَاً وغَضَبًا لله أن نَسَبُوا إليه الوَلد ، قال تعالي ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) وهذا مرتبط بتْسبيح كل شئ بحمده .
ثم يأتي تخصيص آخر ، وهو تَخصيصُ الركوع بالعظيم ، والسُّجُود بالأعلى : -