تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليه الحجة لا يلزم أن يعلن فهمه بها؛ لماذا؟ لأن فهم الحجة إحالة إلى باطن، والباطن إلى الله، لأن قوم شعيب ماذا كانوا يقولون؟ يقولون: ما فهمنا، مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91]، لا ندري، هؤلاء فهموا أو لم يفهموا؟ فهموا، سمعوا أو لم يسمعوا؟ سمعوا لكنهم لم يفهموا، يقول: ما نفهم، إذاً يبقى الإنسان تبلغه قل: لا إله إلا الله، يقول: لم أفهم، ويبقى على هذا الأمر، هل يسقط الجهاد؟ لا يسقط، تقول له: الزنا حرام؛ لماذا تقع في هذا الأمر؟ يقول: لا أفهم, برر لي, أعطني تحليل مقنع، تحليل صحيح, لم أقتنع أو غير ذلك، هل هذا نحن بحاجة إليه؟ لسنا بحاجة إليه، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحجة ويفهمها أو لا يفهمها؟ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقيم الحجة والأصل بإقامة الحجة أن يفهمها لكنه لا يربط الحكم والاسم بالإفهام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاثة عشر عاماً، هل هو كلها لإقامة الحجة أم لإقامة الحجة والإفهام؟ لإقامة الحجة والإفهام لكن لم يأمره الله عز وجل حينها بإقامة الأحكام، لم ينزل الله عز وجل عليه الجهاد، ولو مات أحد من المشركين في تلك الحقبة وممن بلغته الحجة لكان من أهل النار؛ لأن البلاغ قد بلغك وكنت على هذا الأمر، وفهم الحجة مرده إلى باطنك, فهذا يرجع فيه إلى محال، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم (كان يكتب إلى ملوك البلدان: أسلم تسلم)، يخاطبه بالرسالة التي يفهمها لو أراد أن يفهم, وأما الإفهام فالشريعة تتشوف إليه للقبول وكسر حواجز النفس في حال تعذر وجود الحكم أو المشقة بالقيام به، يقوم الإنسان بالاستمرار حتى يفهم؛ كمناظرة أهل البدع والضلال, مناظرة أيضاً من خالف السنة أو يترك الطاعات ونحو ذلك؛ لأنك لا تملك أيضاً إقامة الحكم عليه فاستمر في الإفهام، ولو قلنا أنه لا ننزل حكماً على أحد إلا بإفهامه، لا يلزم من ذلك أن جهاد النبي صلى الله عليه وسلم خاطئ، جلَّ عليه الصلاة والسلام من ذلك، إقامة الحدود وغير ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم يكتفي بذلك بالإسماع، ولهذا (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إلى الناس بعبارات يوصلها إليهم ولا يتجاوز ذلك) , لأنهم لو أرادوا أن يفهموا لفهموا مثل هذا الأمر.

وفي قول المصنف رحمه الله: ومن شك في كفره ممن يفهم، احتاج إلى الفهم هنا لأن الأمر لا يتعلق به بذاته وإنما هو في غيره، ويتعلق في غيره، يعذره أو لا يعذره، لهذا من قال بخلق القرآن فهو كافر، ومن لم يكفره ويفهم حقيقة جرمه ووضوحه فهو كافر بالله سبحانه وتعالى، وكأن المصنف يميل إلى أن الإنسان إذا كان لا يكفر من قال بخلق القرآن لعدم إدراكه لمثل هذا الجرم الذي وقع فيه، وكذلك أنه ربما كان معذوراً أو ملتبساً عليه أو نحو ذلك، فهذا مبحثه عنده آخر.

[ومن شك في كلام الله عز وجل فوقف شاكاً فيه يقول: لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي].

وذلك أتباع الجهم بن صفوان الذين يقولون بخلق القرآن, وكذلك أيضاً فإن هذا التردد يكفي فيه الكفر بكلام الله سبحانه وتعالى, أن الإنسان لم يكن متيقناً بحكم الله عز وجل وبيانه لهذه المسألة في كتابه، وذلك أن من

شرح عقيدة أبي حاتم وأبي زرعة · الصفحة ٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح عقيدة أبي حاتم وأبي زرعةص ٦٩