توصل إلى العقل, كذلك أيضاً شم الإنسان يعرف الروائح, ويدرك القوي من الضعيف ومن غيرها, والمحبوب من غيره, فيميز الروائح بشمه, وكذلك أيضاً بالذوق وهي الحاسة الرابعة, بذوقه يعرف الحلاوة من المرورة, ويعرف هذه الأشياء بذوقه, الحاسة الخامسة في الإحساس, يعرف الإنسان أن هذا حار أو بارد, الحاسة السادسة هي: المعنى القائم في النفس, يعني: أن الإنسان يعرف أنه حزين أو فرح من داخله, يعرف الحزن والفرح من داخله, وإن كان السبب ربما يطرأ عليه شيء خارج منه أو ربما تولد من داخله, فهو يعرف الفرح والحزن, هذه يأخذها العقل من خارجه ثم يقوم العقل بجمع بعضها مما يرى الإنسان من مرئيات ثم يقوم بالخلط بينها, لا يوجد العقل جديداً؛ وذلك كالقدر بالنسبة للماديات, تضع فيه من الماديات, من تراكيب مثل المادة, ثم تقوم بخلطها وتخرج مادة, هذه المادة ليست جديدة, وإنما هي الأجزاء المنفردة منفكة خارجه جمعت في داخله ثم خرج هذا الشيء؛ كذلك عقل الإنسان, الحروف موزعة ثم جمعها فأخرج كلمة, الألوان مفرقة ثم تجمع في قدر ثم تخرج لوناً جديداً إذا دمجت اللونين والثلاثة لم تخرج هذا اللون الجديد في قدرك وإنما هو في الخارج وإنما قمت بالجمع, ولهذا العقل لا يوجد المعلومات من العدم, وإنما هو يقيس, وبمقدار قياسه وتوغله في أبواب الجزئيات يوجد الإبداع حتى يظن أنه جدد, وتجديده في ذلك يختلف الناس فيه، فمن عرف قيمة العقل الحقيقية أدرك أنه لا يمكن يدرك الغائب عنه؛ كالقدر لا يمكن أن يوجد مادة لم تدخل إليه, ولا يصح له في ذلك القياس, لهذا الله سبحانه وتعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] , يعني: لا يوجد شيء دخل إلى ذهن الإنسان بحواسه هذه يستطيع به أن يحيط بالله جل وعلا أيضاً, ولهذا نقول: إن كل ما يخطر في بال الإنسان أن الله كذلك فالله غير ذلك؛ لأنك لم تر الله, وليس كمثله شيء, لهذا تجد الإنسان يقيس على ما رأى, لو وجد شخص في بلد, أتيت بعشرة أشخاص كل واحد من قارة أو من بلدة كبيرة, ثم أخذت تحدثهم عن حكاية, تقول: دخل علي فلان أو دخلت على فلان وفلان وهما يأكلان طعاماً, هذا يتصور أنه يأكل على طاولة ومعه الملعقة, ويأكل طعاماً معيناً اعتاد عليه أهل بلده, وذلك يتخيل أنه يأكل على الأرض لأن بلده يأكلون على الأرض, ويأكل بيده لأنهم لا يأكلون بالملعقة, وهكذا, ومنهم من يتصور حالة معينة؛ لأنه يرى الأمر على ما استقر في ذهنه, ولو حدثت رجلاً من أهل زماننا, ورجلاً من أهل القرنين الماضيين, وقلت له: قدم إلينا فلان من بلدة كذا وكذا, لكان صاحب القرن الماضي يتخيل رجلاً على ناقة قدم إلى هذا البلد في ذهنه, وإذا حدثت أحد من أهل زماننا قلت: قدم إلينا فلان, لاستحضر أنه على مركبة, من السيارات أو غير ذلك, فهذا الأمر لماذا اختلف القياس مع أن العقل واحد؟ لأن ما فيه من مادة اختلفت, ذاك وضع الإتيان على الإبل فقاس أي خبر يسمع إليه لم يره على ما استقر لديه, ولهذا الله سبحانه وتعالى أخبر العباد بأنه السميع وبأنه البصير وبأنه القوي وبأنه العزيز وبأنه الجبار وبأن له صفات سبحانه وتعالى؛ من العين والسمع, واليد, والقدم, والساق, وغير ذلك من الصفات, فإذا جاء عند أحد ذكر لهذه الأشياء سيستحضر معنى استقر في ذاته مما يراه.
شرح عقيدة أبي حاتم وأبي زرعة · الصفحة ٣٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح عقيدة أبي حاتم وأبي زرعةص ٣٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي