يظهر جهله في المسألة كلها ولو علم بعضها, لأنه بإظهاره بعضاً من العلم يوحي إلى العالم أنه يعلم أكثر المسألة فلربما أعطاه العالم طرفاً منها وحرمه البقية, ولهذا هنا سأله لحاجة نفسه, ولم يسأله استثباتاً ولا استيثاقاً من رأيه وقوله؛ حتى لا يحجم عنه, وهذا من أساليب التعامل مع المسائل المشتبهة أو المشكلة على الإنسان أدباً وتحرياً.
... الحث على التمسك بالسنة والحذر مما يخالفها
وكذلك في قوله: (سألتني أن أوضح لك من السنة أمراً تصبر نفسك على التمسك به).
سأله عن السنة شيئاً يستمسك ويعتصم به.
... تعريف السنة في اللغة والاصطلاح
والسنة هي: الطريقة, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند والسنن من حديث العرباض بن سارية: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) , وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في الصحيح قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة) , فالمراد بذلك هي الطريقة التي يسلكها الإنسان, ولكن في الاصطلاح غلب تسمية ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من هدي بالسنة, وغلبت السنة على القرآن بتسمية السنة مع دخول القرآن من باب أولى في هذا الباب؛ لأن السنة تفصيلية والقرآن إجمالي, فالقرآن -على ما بيناه مراراً- أنه غائي يهتم بالكليات والأصول, والسنة تفصيلية, فهي أكثر تفصيلاً وبياناً لما أجمل في القرآن من القرآن للقرآن.
والسنة وحي, كما سماها الله عز وجل فقال: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3 - 4] , وكذلك سماها الله عز وجل حكمة, وسماها أيضاً بالتلاوة؛ لأنها وحي يتلى, وكما قال ذلك ونص عليه جماعة من العلماء؛ كالشافعي و ابن حزم وغيرهم, فقالوا: السنة وحي يتلى.
إذاً: في أبواب العقائد يراد بالسنة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من عموم المنقول, وأما ما يكون عند الفقهاء فإنهم يريدون بالسنة ما كان من أقسام التكليف, وهو رديف المستحب, فيقولون: سنة وواجب.