ويندر تفردهم، فتجد الإمام منهم عنده مائة ألف حديث لا يكاد ينفرد بحديثين، ثلاثة.
يعني: أن هؤلاء الحفاظ مع سعة روايتهم وكثرتها، قلَّ ما يتفردون بأحاديث، يعني: قل أن يروي حديثا، لا يرويه أحد معه، وإنما لا يروي إلا حديثا يشاركه فيه غيره، وهذه هي طريقة الحفاظ، طريقة الحفاظ أنهم كانوا يسمعون أحاديث كثيرة، ولكن ليس كل ما سمعوه حدثوا به، وإنما يحدثون بالأحاديث المعروفة، أما الأحاديث الغريبة، والتي لا يشاركهم فيها غيرهم، فكثير من الحفاظ يمتنعون من روايتها، وبعضهم إذا روى منها يخصُّ بها بعض تلاميذه، ولا يكثر من روايتها.
وهذا الإمام الزهري مع سعة روايته وكثرتها جدًّا ذكر الإمام مسلم في الصحيح أنه تفرد بتسعين حديثا كلها بأسانيد جياد، كلها - كما قال الإمام مسلم - بأسانيد جياد، فكون الزهري مع جلالته وسعة روايته لا يتفرد إلا بتسعين حديثا، وهو من أيضا طبقة التابعين، صغار التابعين، فهذا يدل على أنَّ غيره ممن لم يبلغ حفظه إذا زاد عن نسبة الزهري يكون محل ضعف؛ ولهذا العلماء -رحمهم الله- يختبرون الراوي بالأحاديث التي يرويها من الغرائب، فإذا أكثر من الغرائب ضعف حديثه، وبخاصة إذا لم يكن من المكثرين من الرواية، ولو كان ثقة، ولو كان في أصله ثقة، إذا كثرت غرائبه ضعف، ولهذا لما الحسن بن علي المعمري له رواية واسعة جدًّا، موصوف بسعة الرواية جدًّا؛ لأنه كان من أحد المستملين للشيوخ، وكان في ذات الوقت من الرواة، كان تفرد مع سعة روايته بثلاثين أو عشرين حديثا، وضعفه بعض العلماء من أجل هذا، تفرد بثلاثين أو عشرين حديثا على سعة روايته.
ومع ذلك جاء بعض أهل العلم فضعفه، لكن رد عليهم البرديدي بأن مثل الحسن بن علي المعمري مع سعة روايته ينبغي له أن يتفرد بعشرين أو ثلاثين يعني: ما تضره إذا تفرد بعشرين أو ثلاثين حديثا، والمعمري نفسه بين أن هذا مما خصه به الشيوخ هذه الأحاديث الغرائب التي يرويها.
فالشاهد أنه مع سعة روايته ضعفه بعض العلماء لتفرده بعشرين أو ثلاثين حديثا. نعم.