أن حديث ابن المصعب هذا، حديث قلب المصعب إسنادَه، وهذا القلب وقع منه على سبيل الخطأ.
ومثله أيضا: الحديث الذي يرويه الإمام مالك، وهو حديث: " الصلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " هذا الحديث رواه محمد بن مسلمة المخزومي، عن مالك عن الزهري عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " صلاة في مسجدي " إلى آخر الحديث.
فهذا الإسناد، العلماء ... نص ابن عبد البر في "التمهيد": "إنه إسنادٌ مقلوب". وجه القلب فيه: أن الرواة عن مالك قد اتفقوا على روايته عن مالك، بإسناد آخر غير هذا الإسناد، وهو أن مالك يرويه عن زيد بن رباح، عن عبيد الله بن أبي عبد الله الأغر، عن عبد الله الأغر، عن أبي هريرة رضي الله تعالي عنه.
فمحمد بن مسلمة المخزومي أخطأ في إسناد هذا الحديث، فبدلا من أن يجعله عن زيد بن رباح، جاء له بإسناد آخر، وهذا الإسناد الآخر يروي بين الإمام مالك، الذي هو الزهري عن أنس، يروي الإمام مالك أحاديث كثيرة، فالراوي محمد بن مسلمة مشى على الجادة، فرواه عن الزهري عن أنس وهو غلط، والصواب: أن الرواة الحفاظ عن الإمام مالك متفقون على روايته عن الإمام مالك، عن زياد بن رباح، وعبيد الله بن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، فهذا -أيضا- نوع من القلب في الإسناد، فهذا إسناد مقلوب، وإن كان المتن ثابتا وصحيحًا من الطريق الأخرى، ولكنه من حديث أنس - رضي الله عنه - في الموطأ، هذا حديث يعتبر حديثًا مقلوبا في إسناده.
فهذا كما ذكر المؤلف -رحمه الله-: "إن الراوي يروي الحديث فينتقل أو يذهب". وهو معنى قوله "فينطّ"ُ يعني: يذهب إلى إسناد متنٍ آخر، فيحمل هذا المتن على هذا الإسناد أو ذاك الإسناد، يأتي له بمتن آخر، وهذا غالبًا ما يقع عند النَّقل من الكتب، سواء من الأصول أو من غيرها، إذا جاء ينقل في تحاويل التخريجات، إذا جاء ينقل يشتبه عليه، أحيانا يزوغ بصره فيخطئ في نقل سطرين متواليين، ينقل إسناد الأول، ثم يرجع إلى السطر الذي كان فيه فينقل المتن، فيحصل ها هنا غلط، أكثر ما يقع عند النقل من الأصول، وإلى التخريجات والتحاويل، هذا أكثر ما يقع من غير الذين يقصدون القلب بأنفسهم، أما من كان يقصد القلب فهذا له موضع آخر، وهو الذي سيشير إليه المؤلف رحمه الله.