بجميعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن لما نظر في طرق الحديث تبين أن أصحاب شعبة وعامتهم، يروون هذا الحديث عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، أنه قال -يعني أبا هريرة-: " أسبغوا الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ويل للأعقاب من النار ".
فهذه الرواية فصَلت ما كان مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عما كان من كلام الصحابي، فدل ذلك على أن قوله: " أسبغوا الوضوء " هذه مدرَجة من بعض الرواة، أضافوها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليست مضافةً إليه من حديث أبي هريرة، ومثل هذا الوهم غالبا ما ينشأ، إذا كان الحديث، أو إذا كان المتن، أو جزء من المتن، هذا إذا كان واردًا في أحاديث أخرى مثل حديثنا هذا، حديث: " أسبغوا الوضوء ".
جاء فيه أو صح من حديث آخر غير حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -، لكن الإدراج إنما جاء في حديث أبي هريرة، فبعض الرواة قد يكن عنده ذلك الحديث، فيتوهم ويدخل عليه حديث في حديث آخر.
وأيضًا الإدراج يُعرف -كما ذكر العلماء- بأمر آخَر وهو: أن يكون هذا الكلام المذكور في متن الحديث من النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحيل أن يقوله النبي - صلى الله عليه وسلم - أو يمتنع أن يقوله النبي-صلى الله عليه وسلم-، وهذا الامتناع مستفاد من نصوص الشريعة العامة، وأحواله - صلى الله عليه وسلم - فيمثلون لذلك بحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " للعبد المملوك الصالح أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبرُّ أمي، لوددت أن أموت وأنا مملوك ".
فهذا الحديث ذكر العلماء أنه يمتنع أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قاله، يعني قد قال قوله: "والذي نفسي بيده ... " إلى آخره، وهذا الامتناع جاء من جهتين:
الجهة الأولى: أن جهة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُمكن أن يتمنى لنفسه أن يكون مملوكًا، وهو قد أكرمه الله -تعالى- بأعلى المنازل، وهي منزلة النبوة والرسالة.