وأيضا مما يُعَلُّ به الحديث من أمر خارج: إجماع العلماء على خِلاف الحديث، فإذا أجْمَع العلماء، أو ذكر بعض العلماء أن الإجماع إذا انعقد على خلاف حديث، فهذا دليل على أن الحديث معل، دليل على إعلال الحديث، وإلى هذه الساعة لم أر حديثا ثبت وصح إسناده ولم يقل به أحد من العلماء، أو العلماء مجمعون على خلافه، وإنما هناك أحاديث ضعيفة في أصلها انعقد الإجماع على خلافها، لكن انعقاد الإجماع على خلافها هذا ممَّا يزيدها ضعفا إلى ضعفها.
وتقدم لنا حديث محمد بن إسحاق، عن ابن أبي هند، عن رجل، عن أبيه في قصة: أن "مَن أدرك عَرَفة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج"، ذكرنا هناك أن الإمام مسلم -رحمه الله- أعل هذا الحديث أولا بأنه يخالف أحاديث ثابتة أن إدراك الوقوف بعرفة لا يكون بعد طلوع الفجر، إنما يكون قبل طلوع الفجر، وذكر الإمام مسلم أن العلماء وأهل الآثار وأئمة الفقهاء مجمعون على خلافه؛ فهذا يزيده نكارة مع نكارته، وشذوذا إلى شذوذه.
ومثله أيضا الحديث الذي يروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأم سلمة: "تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما بدا لك" يعني: في إحدادها أنها تحد على زوجها ثلاثا كسائر القريبات، ثم بعد ذلك تصنع ما شاءت، يعني تخرج من الحداد، فهذا الحديث مخالف للأحاديث الأخرى الصحيحة الثابتة من أحاديث سبيعة، مخالف لنص القرآن الكريم قبل ذلك، وأيضا ذكر العلماء أن العلماء مجمعون على خلافه، فهذا يزيده ضعفا إلى ضعفه، ونكارة إلى نكارته؛ ولهذا قال الإمام أحمد: هذا حديث شاذ مطَّرح.
فالشاهد أن بعض العلماء يقول: إن إجماع أئمة العلماء على خلاف حديث هذا يُعل هذا الحديث، لكن -كما سبق- ليس هناك حديث ثبت إسناده، وأجمع العلماء على خلافه إجماعا لا خلاف فيه مطلقا؛ ولهذا الإمام الترمذي لما ذكر أن هناك حديثين، أو ذكر أن كل ما أخرجه في سننه هو معمول به عند الفقهاء إلا حديثين، فإن الفقهاء لم يعملوا بهما، ذكر الحافظ ابن رجب في أول شرح العلل من عمل بهما من الفقهاء.