أحيانا يعِلُّ العلماء الحديث لأنه ثبت عن الراوي خلافه، ثبت عن الراوي خلاف هذا الحديث، يعني: يكون حكم الراوي مخالفا، أو رأي الراوي الصحابي مخالفا لهذا الحديث؛ لأنهم يقولون: إن الراوي لا يمكن أن يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة الصحابة لأنهم لا يظن بهم إلا الخير؛ لا يروي هذا الحديث ثم يخالفه، ثم يقع منه مخالفة، وخاصة إذا كانت على سبيل الإفتاء أو الإخبار، ليست على سبيل العمل.
وهذا استعمله الإمام مسلم -رحمه الله- في كتابه التمييز، جاء لحديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إثبات المسح على الخفين، فأنكر هذا الحديث، وذكر أنه حديث لا يصح، وهذا -عدم تصحيحه- لأن أبا هريرة -رضي الله تعالى عنه- ثبت عنه أنه كان ينكر المسح على الخفين، فكيف ينكر المسح على الخفين وهو يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على الخفين؟ هذا لا يكون من أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
ولهذا حكم الإمام مسلم على أن الحديث الذي فيه إثبات المسح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رواية أبي هريرة حكم عليها أنها غلط، لكن هذا -والله أعلم- أن رواية الراوي، رأي الراوي يقدم على روايته، أو تُعارَض به روايته إذا اجتمع فيه شرطان:
الشرط الأول: أن يكون المنقول من رأيه أقوى من المنقول عنه للرواية، يعني: إذا كان إسناد ما نُقِل عنه من رأيه أصح فإنه يقدم، وأما إذا كان ما نُقل عنه من روايته هو أصح فإنه يقدم أيضا، يقدم من روايته إذا كان هو الأصح إسنادا هذا شرط.
والشرط الثاني: ألا يمكن الجمع بين الرواية والرأي، فإذا أمكن الجمع بين الرواية والرأي بوجه صحيح فإنه لا يحكم على حديثه بالنكارة، ولا على رأيه -أو على ما نقل عن رأيه- بالغلط.
إذن فهذا ينبغي -والله أعلم- أن يقيد بهذين الشرطين، أن يقيد هذا الأمر بهذين الشرطين.