أحيانا يُصحَّح الوجهان لمزيدِ وصف في الرواة الذين يروون عن هذا الشيخ واسع الرواية، مثل الرواية التي تقدمت، فسفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد، ومَعْمر، هؤلاء كلهم من الأثبات في الزهري، هؤلاء أثبات في الزهري، فإذا كانوا من الأثبات في الزهري، وكان شيخهم واسع الرواية، هذا أيضا مما يزيد تبرير تصحيح الوجهين عنهما.
وأيضا تصحَّح الرواية على الوجهين إذا اختُلف على الراوي، أو ذُكر الحديث عن الراوي على وجهين منفصلين، ثم ذكره راوٍ آخر، أو ذكر هذين الوجهين مجموعين معا، وهذا كما في الحديث الذي تقدم -حديث الفاتحة- هذا يرويه سفيان عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، ويرويه مالك عن العلاء عن السائب عن أبي هريرة، هذا يرويه على وجه، ومالك يرويه على وجه.
فجاءت رواية عبد الله بن أبي أويس خارج الصحيح، وقد قَرَن عبد الله بين الاثنين، يعني: رواه عن العلاء عن أبيه، وعن السائب عن أبي هريرة، فهذه الرواية الثالثة تبين أن الروايتين المتقدمتين كلاهما صحيح، أو كلتاهما صحيح، لم يخطئ فيها أحد من الرواة، ولهذا صحَّح أبو زُرعة -رحمه الله- الوجهين، وصححه مسلم كما في الصحيح، فالشاهد أن الوجهين قد يصحَّحان أحيانا وليس مطلقا.
وهنا قاعدة مهمة ينبغي ملاحظتها عند الحكم على الأحاديث، وهو أن إنكار رواية الوجهين غلط، إنكار رواية الوجهين مطلقا غلط، كما أن تصحيح الحديث على الوجهين مطلقا غير صحيح، يعني: غير جارٍ على عمل أهل الحديث.
فليس كل راوٍ يروي الحديث على وجهين يُصحح، يقال: هذان الوجهان صحيحان كما يصنعه الفقهاء، لا، هذا على اصطلاح المحدثين غلط؛ ولهذا يُعِلُّون أحاديث كثيرة.
وكذلك إن إنكار أن يكون الراوي سمع الحديث على الوجهين، ويرويه على الوجهين دائما، كما يصنعه بعض الناس كلما رأى اختلافا على الراوي غلَّط أحد الوجهين ولم يصحح الوجهين، وعن هذا أيضا غلط؛ لأن الراوي قد يحدث بهذا الحديث على هذا الوجه، ثم يسمعه على وجه آخر.