تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"وصنف آخر من الصوفية يظهرون الزهد والعبادة، ويحرمون المكاسب والمعيشة" يحرمون المكاسب والمعيشة. تجدهم يعيشون على الصدقات، منعزل ولا يكسب ويدعي الزهد والعبادة، والله -تعالى- أباح المكاسب، يتكسب بالبيع والشراء، يعمل في حرفة، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرعى الغنم، وكان داود - عليه السلام - حداداً، ونوح -عليه السلام - نجاراً، “ وما من نبيٍ إلا رعى الغنم “.

والصحابة كانوا يعملون ويحرثون، ويبيعون ويشترون، والعلماء وغيرهم لا يزالون يبيعون مكاسب المعيشة مطلوبة، لكن الصوفية يحرمون المكاسب والمعيشة، ويظهرون الزهد ويرون الإلحاف في المسألة، والكدية شدة الإلحاف، يلحف في المسألة والسؤال، الإلحاف في المسألة منهي عنه. “ لا يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مذعة لحم “.

"من سأل الناس" إذا كثر فإنما يمثل جمرة , ويدعون الشوق والمحبة، الصوفية يدعون الشوق والمحبة، وسقوط الخوف والرجاء، ما فيه خوف ولا رجاء، يدعون المحبة، هذا باطل.

المسلم يعبد ربه بالحب والخوف والرجاء؛ ولهذا قال العلماء: من عبد ربه بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري من الخوارج، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد.

هؤلاء يدعون أنهم يعبدون الله بالحب فوقه وحده ويسقطون الخوف والرجاء، وهكذا يقولون، وهذا مبتدع كله. والمدعي له مقيت ممقوت عند أهل العلم والمعرفة؛ لأن الله - عز وجل - قد أباح الكسب والصناعة والتجارة على حكم الكتاب والسنة إلى أن تقوم الساعة كما سبق، وحرم المسألة والكِدية، يعني: الإلحاف في المسألة مع الغِنى عنها، فلا يجوز للإنسان أن يسأل والله قد أغناه.

وأجمعت العلماء لا خلاف بينهم أن الله - عز وجل - قد افترض على الخلق الخوف والرجاء كما قال الله -تعالى- عن أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (1) بعد أن يدعوا ربهم خوفاً وطمعاً، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (2).

أما هؤلاء الصوفية يقولون: ما فيه خوف ولا رجاء، ما نعبد الله بالخوف ولا بالرجاء. يؤثر عن رابعة العدوية أنها قالت: ما عبدت الله خوفا من ناره، ولا طمعا في جنته فأكون كأسير السوق، ولكن عبدته حباً لذاته وشوقاً إليه، هذا تذكره كتب الوعظ عن رابعة العدوية، هذا باطل، هذه زندقة، يُعبد الله بالحب والخوف والرجاء.

أما قولها: ما عبدت الله خوفاً ولا طمعاً إنما عبدته حباً لذاته، هذه زندقة؛ ولهذا قال المؤلف: "لا خلاف بين العلماء أن الله - عز وجل - افترض على الخلق الخوف والرجاء، وأنه دعا عباده إليه بالرغبة والرهبة" رغباً ورهبا.

ومن البدع المحدثة التي ليس لها أصل في كتاب ولا في سنة التشبه بأفعال الجاهلية في اجتماعاتهم والتحالف بينهم على التعاضد والتناصر، وكانت الجاهلية تفعله فأذهبه الله - عز وجل - بالإسلام، ونهى عنه على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - “ لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فما زاده الإسلام إلا تأكيدا “ المراد -يعني- حلف التوارث، ما فيه حلف توارث، لكن التعاضد والتناصر والمؤاخاة فهذا مطلوب.

(1) - سورة الأنبياء آية: 90.

(2) - سورة الإسراء آية: 57.

شرح الإبانة الصغرى · الصفحة ٥٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح الإبانة الصغرىص ٥٦٤