تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمدعي له مقيت ممقوت عند أهل العلم والمعرفة؛ لأن الله - عز وجل - قد أباح الكسب والصناعة والتجارة على حكم الكتاب والسنة إلى أن تقوم الساعة، وحرم المسألة والكدية مع الغنى عنهما، وأجمعت العلماء لا خلاف بينهم أن الله - عز وجل - قد افترض على الخلق الخوف والرجاء، وأنه دعا عباده إليه بالرغبة والرهبة.

ومن البدع المحدثة التي ليس لها أصل في كتاب ولا سنة تشبهوا فيها بأفعال الجاهلية واجتماعهم، والتحالف بينهم على التعاضد والتناصر، وهذا مبتدع مكروه، وكانت الجاهلية تفعله، فأذهبه الله - عز وجل - بالإسلام ونهى عنه على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - “ لا حلف في الإسلام، وأيما حلفٍ كان في الجاهلية فما زاده الإسلام إلا تأكيدا “.

هذا الأثر عن ابن المبارك -رحمه الله- في بيان أفعال الصوفية وأقوالهم، وأنهم أقسام وأنواع، وذكر ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) عن ابن سيرين أن عبد الله بن عمرو -بسنده- مرَّ برجل ساقط من العراق، فقال: ما شأنه؟ فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن يصيبه هذا، قال: إنا لنخشى الله - عز وجل - وما نسقط.

يقول عبد الله المبارك -رحمه الله- الإمام الزاهد المعروف: "هؤلاء الذين يصعقون عند استماع الذكر" يعني: أن هؤلاء فعلهم مخالف للسنة، فعلهم بدعة، والصحابة أحسن منهم حالاً. وما كانوا يصعقون، وما كانوا يغشى ويغمى عليهم، وإنما حصل هذا في المتأخرين في أهل الكوفة في التابعين وغيرهم، الواحد يصعق ويغشى عليه ويغمى عليه ويسقط كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-.

أما الصحابة ما كانوا هكذا، كانوا أثبت قلوباً، عندهم ثبات وهم أخشى لله من هؤلاء، فكان الواحد منهم كما قال الله يوجل قلبه عند ذكر الله ويزيد إيماناً عند تلاوة القرآن كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)﴾ (1).

ولم يكن الواحد منهم يغشى عليه ولا يصعق ولا يغمى عليه، بل كان عندهم ثبات مع قوة إيمانهم، كانت توجل قلوبهم عند ذكر الله، ويزدادون عند تلاوة القرآن، أما المتأخرون وبعض التابعين في الكوفة وفي غيرها عندهم ضعف وعدم ثبات، فكان الواحد منهم يصعق إذا سمع القرآن، وقد يغمى عليه، وقد يموت بعضهم، قد يحمل.

و يفعل هذا -أيضًا- الصوفية، إن الصوفية بعضهم يصعقون عند سماع الذكر، وبعضهم يصعق عند سماع الأنغام الحسنة والمزمار، عند الأنغام والمزمار، وكذا يصعق، هذا من أفعال الصوفية؛ ولهذا قال ابن المبارك -رحمه الله-: "هؤلاء الذين يصعقون عند استماع الذكر" جرِّب معهم الآن أقعدهم على جدار عالٍ، واقرأ عليهم القرآن، انظر هل يصعقون أو لا يصعقون!! اجعلهم فوق الجدار، ثم اقرأ عليهم القرآن ليعلم أنه سيسقط ويموت.

قال: "تقعدهم على الجدران العالية وتقرأ عليهم، وتنظر هل يتردون إن كانوا صادقين" تقعدهم على الجدران العالية وتقرأ عليهم وتنظر هل يتردون، يعني: يسقطون إن كانوا صادقين.

وصنف آخر من الصوفية يظهرون التقشف، يتخذون التقشف والزهد، اتخذوا الاستماع إلى القصائد، والاجتماع على ذلك سنة لهم؛ ليلهوا بذلك أنفسهم ويطربوا قلوبهم، يرون أن الاستماع للقصائد يتخذونه عبادة ودين.

استماع الغناء عند الصوفية يرون أن يتدينون بهذا، ويظهرون الزهد ويتخذون الاستماع إلى القصائد والاجتماع سنة لهم "ليلهوا بذلك أنفسهم ويطربوا قلوبهم، وفيهم من يرقص إذا سمع الأنغام الحسنة" يرقص ويصفق بيديه ويخرق ثيابه.

(1) - سورة الأنفال آية: 2.

شرح الإبانة الصغرى · الصفحة ٥٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح الإبانة الصغرىص ٥٦٢