الله - عز وجل - ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (1).
هذا إلزام يلزم هؤلاء المعتزلة والخوارج أن يكفروا الأنبياء؛ لأن الله -تعالى- أخبر أن لهم ذنوبا، وهذا باطل. نعم
النهي عن الخوض في أحداث الفتنة الكبرى
النهي عن الخوض في أحداث الفتنة الكبرى: ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد شهدوا المشاهد معه، وسبقوا الناس بالفضل، فقد غفر الله لهم، وأمرك بالاستغفار لهم والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه، وهو يعلم ما سيكون منهم، وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق؛ لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم، وكل ما شجر بينهم مغفور لهم.
نعم هذا معتقد أهل السنة والجماعة في الكف عما شجر بين الصحابة، ما شجر بينهم يعني: الخلافات والنزاعات التي صدرت بينهم، يجب الكف عنها، ولا يجوز نشرها يعني: هم شهدوا المشاهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وسبقوا الناس بالفضل، ولهم السوابق والجهاد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والفضائل، ونشر دين الإسلام ما يغطي ما صدر منهم من الهفوات.
فالواجب أن نكف عن الخلافات التي حصلت بين الصحابة، فقد غفر الله لهم، وأنت مأمور بالاستغفار لهم، فلا يجوز لك أن تنشر مساوئهم، ويجب عليك أن تتقرب إلى الله بمحبتهم، وهذا فرض فرضه الله على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو يعلم ما سيكون منهم، وأنهم سيقتتلون.
الله يعلم ما سيحصل بينهم، قال -سبحانه-: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (2) وإنما فضلوا على سائر الخلق؛ لأن الخطأ والعمد قد وُضع عنهم، وكل ما شجر منهم مغفور لهم؛ لأنهم ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر، وخطأه مغفور. نعم.
ولا ينظر في كتاب صفين والجمل، ووقعة الدار، وسائر المنازعات التي جرت بينهم، ولا تكتبه لنفسك ولا لغيرك، ولا ترويه عن أحد ولا تقرأه على غيرك، ولا تسمعه ممن يرويه.
فعلى ذلك اتفق سادات علماء هذه الأمة من النهي عما وصفناه منهم: حماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن إدريس، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وابن المنكدر، وابن المبارك، وشعيب بن حرب، وأبو إسحاق الفزاري، ويوسف بن أسباط، وأحمد بن حنبل، وبشر بن الحارث، وعبد الوهاب الوراق.
كل هؤلاء قد رأوا النهي عنها، والنظر فيها، والاستماع إليها، وحذروا من طلبها والاهتمام بجمعها، وقد روي عنهم فيمن فعل ذلك أشياء كثيرة بألفاظ مختلفة متفقة المعاني على كراهية ذلك، والإنكار على من رواها، واستمع إليها.
نعم "ولا ينظر في كتاب صفين والجمل"، صفين: حرب ضروس بين أهل الشام وأهل العراق، بين معاوية وعلي، دارت حرب ضروس، وكذلك الجمل لما جاءت أم المؤمنين عائشة مع طلحة والزبير أثار الخوارج فتنة تحت الجمل، وقتل خلق كثير
يقول المؤلف: "لا تنظر في كتاب صفين والجمل ولا تنشر وقعة الدار" وقعة الدار يعني: عثمان - رضي الله عنه - أحاطوا بداره وقتلوه، وكل هذه الأشياء لا تنظر فيها ولا تنشرها بين الناس، وسائر المنازعات والخلافات التي
(1) - سورة التوبة آية: 43.
(2) - سورة محمد آية: 19.