تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد زعم أن الأنبياء من لَدُن آدم كانوا كفارا، قال الله - عز وجل - ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)﴾ (1) وقد وصف ذنوب الأنبياء -صلى الله عليهم أجمعين- في كثير من آيات القرآن، وأخوة يوسف قد ظلموا أخاهم وعقوا أباهم، وعصوا مولاهم.

وهم على ذلك أخيار أبرار من أهل الجنة، وقد قال الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (2) وقال الله - عز وجل - ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (3). نعم

هذا في معتقد أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الذنوب، المؤمنون الذين ارتكبوا الذنوب والكبائر.

أجمع العلماء من غير خلاف أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، والمراد بأهل القبلة كل من استقبل القبلة في الصلاة والذبح، والتزم بأحكام الإسلام، ولم يفعل شركا ولا نقضا من نواقض الإسلام، يقال له من أهل القبلة، نحكم عليه بالإسلام، ولا نخرجهم من الإسلام بذنب، ولا نخرجهم من الإسلام بمعصية خلافا لأهل البدع.

كل من كان من أهل القبلة من التزام بالإسلام، واتجه إلى القبلة في الصلاة وفي الذبح ولم يفعل شركا ولا ناقضا، هذا مسلم ولا يخرج من الإسلام إذا فعل ذنبا لا يخرج من الإسلام، إنما يضعف إيمانه وينقص ولا يكفر ولا يخرج عن الإسلام بمعصية، بل نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء المحسن نرجو له الخير، والمسيء نخاف عليه العقوبة ولا نخرجه.

ولا نجزم لمحسن أنه من أهل الجنة، إلا من شهدت له النصوص، ولا نجزم على المسيء أنه من أهل النار، إلا بدليل ولا نقول بذلك بقول المعتزلة فإنها تقول: "مَن أتى ذنبا واحدا في عمره، أو ظلم بحبة في عمره فقد كفر.

والخوارج يقولون: إذا فعل الكبيرة كفر، خرج من الإيمان ودخل في الكفر، أما المعتزلة يقولون: إذا فعل الكبيرة خرج من الإسلام ولم يدخل في الكفر، وصار في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، فعبارة المؤلف ليست دقيقة، وبعضهم يخص هذا بالكبيرة أما إذا فعل صغيرة فلا

"من أتى ذنبا واحدا في عمره، أو ظلم حبة في عمره" سرق حبة يكون كافرا هذا على قول بعضهم: إذا فعل الصغيرة، وبعضهم يقول: لا يكفر إلا بالكبيرة هذا عند الخوارج، أما المعتزلة فيقولون: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، ثم يتفق المعتزلة والخوارج على أنه مُخلَّد في النار في الآخرة.

يقول المؤلف: "مَن قال بهذا فقد أعظم الفرية على الله - عز وجل - وبرَّأ الله مما وصف به نفسه من الرأفة والرحمة، والتجاوز والإحسان، هذا الذي يقول بهذا القول: أن مَن فعل الكبيرة فقد كفر، فقد برأ الله مما وصف به نفسه من الرأفة والرحمة، والتجاوز والإحسان، والغفران وقبول التوبة، وأيضا يلزمه أن الأنبياء في كثير من آيات القرآن آدم فمن دونه كانوا كفارا؛ لأن الأنبياء لهم ذنوب على مذهب الخوارج.

والمعتزلة يكفرون الأنبياء، الأنبياء لهم ذنوب، قال الله عن آدم: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)﴾ (4) وقد وصف ذنوب الأنبياء في كثير من آيات القرآن، وكذلك أخوة يوسف ظلموا أخاهم، وعقوا أباهم، وعصوا مولاهم، لكنهم تابوا بعد ذلك فهم أخيار أبرار من أهل الجنة.

يلزم على مذهب المعتزلة والخوارج تكفيرهم، وقد قال الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (5) فأثبت له ذنبه، لكنه مغفور، وقال

(1) - سورة طه آية: 121.

(2) - سورة الفتح آية: 2.

(3) - سورة التوبة آية: 43.

(4) - سورة طه آية: 121.

(5) - سورة الفتح آية: 2.

شرح الإبانة الصغرى · الصفحة ٤٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح الإبانة الصغرىص ٤٥٥