فيجب على المسلم أن يؤمن بالرسل، وبجميع ما جاءوا به من الشرائع، وأنه حق من عند الله؛ ولهذا قال المؤلف: "وكذلك وجوب الإيمان والتصديق بجميع ما جاءت به الرسل من عند الله، وبجميع ما قال الله عز وجل"، كل ما ثبت عن الله، أو ثبت عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو حق يجب الإيمان به، فهو حق لازم.
يقول المؤلف: "فلو أن رجلا آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئا واحدا، كان برد ذلك الشيء كافرا عند جميع العلماء".
لو أن إنسانا آمن بجميع ما جاءت به الرسل، ثم أنكر أمرا واحدا: أنكر ملكا من الملائكة كفر، أو أنكر كتبا من الكتب المنزلة كفر، أو أنكر رسولا من الرسل كفر، أو أنكر الجنة كفر، أو أنكر النار كفر، أو أنكر البعث كفر، أو أنكر صفة من صفات الله كفر، أو خبرا أخبر الله به كفر، ولو آمن بجميع ما أنزل الله، إذا آمن بجميع ما جاءت به الرسل، ثم أنكر شيئا واحدا -كان برد ذلك الشيء كافرا عند جميع العلماء. نعم.
خلق الناس وخلق الجن
خلق الناس وخلق الجن: ثم الإيمان بأن الله - عز وجل - خلق الخلق، وهم خلق من خلق الله، خلقهم كما شاء ولما شاء، وفيهم مؤمنون وكافرون، وبذلك نطق الكتاب وجاءت به الرسل، وخلق إبليس، وهو رأس جنود الشياطين، وهو يغوي بني آدم ويوسوس في صدورهم، ويفتنهم ويُحسن عندهم القبيح، ويدعوهم إلى مخالفة ربهم - عز وجل - وهو عدوهم، يجري منهم مجرى الدم، لا يضر المعتصمين بالله كيده.
والآي في كتاب الله - عز وجل - بذكره وأخباره أكثر من أن تحصى، فمن أنكر أمر الجن، وكون إبليس والشياطين والمردة وإغوائهم بني آدم -فهو كافر بالله، جاحد بآياته، مكذب بكتابه.
نعم. الإيمان بأن الله - عز وجل - خلق الخلق، فهم خلق من خلق الله، هذا لا بد منه، أن الله هو الخالق، قال -تعالى-: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (1) ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)﴾ (2) فمن أنكر أن الله خلق الخلق فهو كافر؛ لأنه مكذب لله، فالله خلق الخلق ومنهم: الناس -بنو آدم- والجن، والملائكة، والحيوانات، وكل شيء في هذا الوجود، فالله خلقه وأوجده، من أنكر ذلك فهو كافر.
"خلقهم كما شاء ولما شاء" أي: لحكمة، خلق الجن والإنس لحكمة، بينها -تعالى- في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (3) أي: ليوحدونِ، وليعرفوه بأسمائه وصفاته، كما قال الله -سبحانه-: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)﴾ (4).
"وفيهم مؤمنون وكافرون"، والله -سبحانه وتعالى- خلقهم منهم كافر ومنهم مؤمن؛ لحكمة بالغة، كما قال -سبحانه- في سورة "التغابن": ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2)﴾ (5)؛ ولهذا قال: "وبذلك نطق الكتاب"، يشير إلى الآية.
(1) - سورة الرعد آية: 16.
(2) - سورة الفرقان آية: 2.
(3) - سورة الذاريات آية: 56.
(4) - سورة الطلاق آية: 12.
(5) - سورة التغابن آية: 2.