تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصدقات يأخذ، ويعطي أيضا: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾ (1).

"وهو على عرشه بائن": يعني: أنه ليس مختلطا بالمخلوقات، منفصل عن المخلوقات؛ الله -تعالى- فوق العرش، العرش سقف المخلوقات، ونهايتها، وليس فوقه شيء، والله فوق العرش بعد أن تنتهي المخلوقات.

والله ليس بحاجة للعرش، ولا لغيره؛ فهو الحامل للعرش، ولحملة العرش؛ بقوته وقدرته.

" وهو بائن من خلقه ": يعني: أنه منفصل عن المخلوقات، يعني: أنه لم يدخل في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، وهو على عرشه بائن من خلقه.

وهذا فيه الرد على الجهمية الذين يقولون: إن الله -تعالى- مختلط بالمخلوقات.

الجهمية طائفتان:

طائفة تقول: إن الله في كل مكان: في السماء، وفي الأرض، وفي كل مكان؛ حتى قالوا: في بطون السباع، وفي أجواف الطيور، وفي كل مكان. - تعالى- الله عما يقولون، وهذا كفر وضلال.

والطائفة الثانية -منهم الجهمية المتأخرون-: يثبتون النقيضين: أنه لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا مباين له، ولا محايد له، ولا متصل به، ولا منفصل عنه. إيش يكون؟ .. عدم؟ بل المبتدعة أشد من العدم، ممتنع مستحيل، أعوذ بالله.

هذه الطائفة الثانية من الجهمية، الطائفة الأولى يقولون: في كل مكان، تعالى عما يقولون علوا كبيرا.

فقوله: " يأخذ ويعطي، وهو على عرشه بائن من خلقه، يميت ويحي." هذا نص في القرآن للصفات، "يحي ويميت، ويفقر ويغني ": كل هذا من الصفات.

" ويغضب ويرضى": ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (2) وأيضا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (3) ويتكلم: نعم: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)﴾ (4) ويضحك: جاء في الحديث: “ يضحك الله إلى رجلين: يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة “ وهذا ورد في السنة.

﴿لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (5) هذا من صفات النفي، السِنَةُ: النعاس، مبادئ النوم، النوم: النوم المستغرق، الله -تعالى- لا تأخذه سنة ولا نوم.

وصفات الله نوعان: الصفات السلبية، والصفات الثبوتية:

الصفات الثبوتية مثل: يغضب ويرضى، والصفات السلبية مثل: لا تأخذه سنة ولا نوم.

لكن الصفات السلبية ليست نفيا محضا، بل هي مُسْتَلْزِمَةٌ لكمال ضدها، بل هي مستلزمة لثبوت ضدها من الكمال: لا تأخذه سنة ولا نوم لماذا؟ لكمال حياته وقيوميته؛ لا تأخذه سنة ولا نوم.

أما المخلوق فحياته ضعيفة ناقصة، فلذا يحتاج إلى النوم حتى يرتاح؛ لأن حياته ليست كاملة، أما الرب حياته كاملة؛ فلا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يئوده حفظهما؛ لكمال قوته واقتداره: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (6) لكمال علمه .. وهكذا.

فالنفي الوارد في صفة الله ليس محضا، بل هو مُسْتَلْزِمٌ ثبوت ضده من الكمال؛ لأن النفي المحض ليس فيه مدح؛ قد تصف الجماد بالنفي المحض: الجدار لا يسمع، ولا يبصر، هل هذا فيه مدح؟

(1) - سورة الضحى آية: 5.

(2) - سورة المجادلة آية: 14.

(3) - سورة المائدة آية: 119.

(4) - سورة النساء آية: 164.

(5) - سورة البقرة آية: 255.

(6) - سورة سبأ آية: 3.

شرح الإبانة الصغرى · الصفحة ٣٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح الإبانة الصغرىص ٣٥٩