تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الخطاب يدخل في المؤمنين، في المواريث يرث ولو كان عاصيا، ولو كان عنده بعض المعاصي يرث من أقاربه ويورث أيضا، ويغسل إذا مات ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، جميع الأحكام تجري عليه في الدنيا، هذا ما فيه إشكال، لكن الشك إنما هو أيش؟

ما ندري ما العاقبة عند الله، ولهذا قالوا: وما ندري كيف هم عند الله - عز وجل - ولا ندري على أي دين يموتون؛ لأن الاستثناء واقع على ما يستقبل، إذن أراد الاستثناء يقع إلى أي شيء؟ عدم علمه بالعاقبة؛ لأن الإنسان عندما يكون مؤمنا بحسب ما يوافي ربه، ويلاقي ربه، والله أعلم بـ ... ، الله أعلم بأيش؟ بنيات الناس، والله أعلم بحقائق إيمانهم وبصدقهم مع الله، إذن يستثني، الاستثناء راجع لأي شيء؟ هل هو راجع إلى الأحكام في الدنيا؟

لا، ما يرجع، فالناس مؤمنون في المواريث والأحكام، يغسلون ويصلى عليهم، ويدفنون في مقابر المسلمين، ويخاطبهم بالمؤمنين، ويدخلون في الأوامر، ويخاطبون بالأوامر والنواهي، كل شيء يناقشهم المؤمنون، لكن الاستثناء يرجع لأي شيء؟ الموافاة عند الله -عز وجل-؛ ما ندري، ماندري هل يوافي ربه صادقا في إيمانه، أو غير صادق، ما ندري، هذا علمه عند الله، نقول: إن شاء الله.

هذا معنى قوله: "ولا ندري كيف هم عند الله، ولا ندري على أي دين يموتون"، يعني: هل هو على دين الإسلام، يكون صادقا أو يموت على النفاق.

بعض الناس يقول: أنا مؤمن، ويظهر إيمانه، ويصلي ويصوم مع الناس، وهو منافق، هذا ماذا حكمه؟ بماذا يحكم عليه؟ مثل المنافقين في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أبي وغيره من المنافقين، مسلمون في الظاهر، وكفرة في الباطن، ففي الظاهر يعاملون معاملة المسلمين؛ ولهذا يزوجون ويرثون ويورثون.

ولما مات عبد الله بن أبي، كما في الصحيح البخاري: “ أتاه النبي? - صلى الله عليه وسلم - واستخرجه من حفرته، ونفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه، وصلى عليه، وهو رئيس المنافقين، فلما أراد أن يصلي جذبه عمر، وقال: يا رسول الله، رئيس المنافقين تصلي عليه؟! فقال: أخر عني يا عمر، فإني خيرت، فقيل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (1) فلو أعلم أني زدت عن السبعين أن يغفر له، لزدت عن السبعين “ وهذا قبل أن يلحده.

ثم نزلت الآية، بعد أن صلى عليه نزل قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (2) هذا للعلم: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)﴾ (3) فلن نصلي على منافق بعد الآن، في أول ما نزلت الآية، جاء التعليل: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (4) فكان بعد ذلك من عرف كفره لا يصلى عليه، ومن لا يعرف كفره يصلى عليه.

فالمنافقون في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعاملهم معاملة المسلمين في المواريث والأحكام، يغسلون ويصلى عليهم، ويدفنون في مقابر المسلمين، ويرثون ويورثون، ويزوجون، لكن في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، هذا معنى قول الإمامين -سفيان الثوري وابن المبارك-: "الناس عندنا مؤمنون في المواريث والأحكام، ولا ندري كيف هم عند الله - عز وجل - ولا ندري على أي دين يموتون؛ لأن الاستثناء واقع على ما يستقبل".

المستقبل ما هو؟ عند الله، على ما يوفي به عند الله، ثم قال المؤلف: "لأن قول العبد: أنا مؤمن إن شاء الله" معناه: إن قبل الله إيماني وأماتني عليه-على الإيمان- فأنا مؤمن، قالوا: وهذا بمنزلة رجل صلى صلاة، فقال: قد صليت وعلى الله القبول، صليت والصلاة صحيحة إن قبلها الله، وكذلك الح ج: وحجيت

(1) - سورة التوبة آية: 80.

(2) - سورة التوبة آية: 84.

(3) - سورة التوبة آية: 84.

(4) - سورة التوبة آية: 84.

شرح الإبانة الصغرى · الصفحة ٣٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح الإبانة الصغرىص ٣٢٣