أصل الإيمان ما فيه شك، ما أحد يشك في أصل إيمانه، المهم ما يشك فيه؛ ولهذا قال: "وهذا استثناء على يقين".
قد يقول قائل: كيف يستثني وهو على يقين؟ قال المؤلف -عندي أدلة الآن خذ الأدلة التي تدل على الاستثناء على اليقين-: "قال الله - عز وجل - ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ (1) " الله استثنى، مع أنه يعلم بأنهم سيدخلون، ومع ذلك استثنى، فدل على جواز الاستثناء، وإن كان الإنسان متيقنا.?
الدليل الثاني: "وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - “ إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله - عز وجل - “ "إني لأرجو"، مع أن الرسول أتقى جزما، يعلم أنه أفضل الناس، وأتقى الناس بدون إشكال، بدون أيش؟ بدون شك، ومع ذلك استثنى.
الدليل الثالث: "وقال: وقد اجتاز البقيع: “ إنا إن شاء الله بكم لاحقون “ يعني: بالأموات، وهل الإنسان يشك في أنه ميت؟ ما يشك، ومع ذلك استثنى، قال: فهذا كله استثناء على يقين، فدل على جواز الاستثناء، وإن كان الإنسان متيقنا في أصل إيمانه، لكن يستثني من جهة الكمال، جهة أداء الواجبات وترك المحرمات.
المرجئة أجابوا عن هذه الأدلة، الذين يمنعون الاستثناء قالوا: إن قوله -تعالى-: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ (2) قالوا: ما هو باستثناء على يقين، هذا الشك إنما هو راجع إلى الخوف والأمن: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ (3) قالوا: هذا يرجع إلى الخوف والأمن، يعني: ليس لأن هذا الاستثناء على شيء يقين، وإنما الاستثناء ليس راجعا إلى الدخول، وإنما هو راجع إلى الخوف والأمن، يعني: هل يدخلون خائفين، أم يدخلون آمنين؟
والجواب: أن هذا أيضا ليس بصحيح؛ فإن الله يعلم أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين.
ثم قال المؤلف?رحمه الله-: "ولكن يجب أن يعلم الإنسان كيف يستثني، ولأي سبب وقع الاستثناء؛ لئلا يظن المخالف أن استثناءه من قبل الشك"، يقول المؤلف -رحمه الله-: "ينبغي أن تعلم كيف تستثني، وتعلم لأي شيء تستثني؛ لئلا يظن المخالف -وهم المرجئة- أنك شاك في أصل إيمانك".
لا بد تبين هذا الشيء الذي تستثني من أجله، ولكن يجب أن يعلم أيش؟ أن يعلم الإنسان المستثني كيف يستثني، ولأي سبب وقع الاستثناء؛ لئلا يظن المخالف، من هو المخالف؟ المرجئة، والخوارج، والمعتزلة، كلها تستثني؛ لئلا يظن المخالف أن استثناءه من قبل الشك، يعني: من أصل الإيمان، يقول: لا، نحن نقول للمرجئة: لسنا شاكين في أصل إيماننا، لكن نستثني لأمر آخر غير أصل الإيمان، وهو كمال الإيمان أو عدم العلم بالعاقبة.
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: "فقد كان سفيان الثوري -الإمام المشهور-، وابن المبارك عبد الله بن المبارك+ يقولان: الناس عندنا مؤمنون في المواريث والأحكام، ولا ندري كيف هم عند الله - عز وجل - ولا ندري على أي دين يموتون؛ لأن الاستثناء واقع على ما يستقبل".
يعني: يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، الإمامان يقولان أيش؟ "الناس عندنا مؤمنون في المواريث والأحكام" يعني: في الدنيا، في الدنيا عندنا مؤمنون، ما عندنا شك، ولا نستثني، نعاملهم معاملة المؤمنين، الذي يظهر الإيمان، نعامله معاملة المؤمنين، في أي شيء؟ في المواريث والأحكام.
(1) - سورة الفتح آية: 27.
(2) - سورة الفتح آية: 27.
(3) - سورة الفتح آية: 27.