تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والطائفة الثالثة: غلت حتى أوجبت الاستثناء في الجمادات، فيقول: هذا كتاب إن شاء الله، هذا كرسي إن شاء الله، هذا حبل إن شاء الله، هذا دلو إن شاء الله، فإذا قيل له: هذا ما فيه خلاف، هذا حبل، هذا كرسي، هذا كتاب، قال: لو شاء الله أن يغيره لغيره، وهذا من غلوهم، وقالوا: إن الإنسان يستثني في كل شيء.

الطائفة الأولى الذين استثنوا في الإيمان، وهو قول: "أنا مؤمن إن شاء الله" حجتهم أن الإيمان المعتبر عند الله هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان لا يدري ما يموت عليه، ولا يدري ما العاقبة، فالإيمان المعتبر إنما هو بموافاة الإنسان ربه، وإذا كان الإنسان لا يدري ما العاقبة، فيجب عليه أن يستثني، ويقول: "أنا مؤمن إن شاء الله".

وقالوا: إن الإيمان الذي يعقبه كفر لا عبرة به، كما أن الكفر الذي يعقبه إيمان فهو المراد، المراد الإيمان الذي يموت عليه الإنسان، وإذا آمن الإنسان وارتد عن دينه -نعوذ بالله- فهذا لا يعتبر، الاعتبار المهم عند الله والكافر إذا كان كافرا ثم ختم له بالإيمان، فهذا هو المطلوب.

ومن غلوهم أنهم قالوا: إن الله يحب الإنسان الذي يعلم أنه يموت على الإيمان، ولو كان كافرا، فقالوا: إن الله يحب الصحابة، ولو كانوا في جاهليتهم وهم يعبدون الأصنام قبل أن يسلموا؛ لأن الله يعلم أنهم يموتون على الإيمان. يحبهم في حال كفرهم! هذا باطل، وقالوا: إن الله يبغض إبليس في حال إيمانه قبل أن يكفر؛ لأن الله علم أنه يموت على الكفر، وقالوا: إن الغضب من الله، والسخط من الله قديم.

لكن هذا باطل ليس صحيحا، فالمؤمن يحبه الله في حال إيمانه، والكافر يبغضه الله في حال كفره، والعاصي يبغضه الله بقدر ما فيه من الإيمان، ويحبه بقدر ما فيه من الإيمان، فإذا عصي أبغضه الله، وسخط الله عليه، وإذا أطاع وكان مؤمنا أحبه الله، وإذا ارتد -والعياذ بالله- أبغضه الله، فهذي هي وجهتهم.

أما أهل السنة الذين يوجبون الاستثناء بالإيمان، فلهم وجه أخرى غيرهم، وهي أن مسمى الإيمان راجع إلى أداء الواجبات، وترك المحرمات، هذا هو الإيمان الواجب، الإيمان يدخل في مسماه الأقوال والأعمال، وإذا كان الإيمان يشمل جميع الأعمال، وهي: أداء الواجبات، وترك المحرمات، فالإنسان لا يزكي نفسه، ولا

شرح الإبانة الصغرى · الصفحة ٣١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح الإبانة الصغرىص ٣١٦