عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وصى لسويد أن يعمل بهذه النصوص، فقال له:"إنك لعلك أن تخلف بعدي، فأطع الأمير وإن كان عبدًا مجدعًا " يعني إذا غلب الأمير بسيفه وسلطانه وجب السمع له والطاعة، تثبت له الخلافة ولو كان عبدًا مجدع الأطراف.
وعليك أن تصبر، "إن ظلمك فاصبر"، وفي اللفظ الآخر: "وإن ضرب عليك ظهرك، وأخذ مالك".
"إن ظلمك اصبر" ولا تخرج على ولي الأمر، ولا تقاتله، ولا تؤلب الناس عليه ولو كنت مظلومًا؛ لأن هذا يترتب عليه مفاسد،
هذه مفسدة، صحيح مفسدة كونه ظلمك، وضرب ظهرك، وأخذ مالك، هذه مفسدة، لكن مفسدة الخروج على ولي الأمر أعظم، يترتب عليها إراقة الدماء، واختلال الأمن، وتربص الدوائر، واختلال حياة الناس إلى غير ذلك من الفتن التي تأتي على الأخضر واليابس؛ ولهذا قال: "أطع الأمير وإن كان عبدًا مجدعًا، إن ظلمك فاصبر، وإن حرمك فاصبر" أيضًا.
حرمك: يعني أخذ مالك، أو حرمك من حقك، أو ظلمك بأخذ مالك أو بضرب ظهرك.
"وإن أرادك على أمر ينقض دينك فقل: دمي دون ديني" يعني: لا توافق على أمر ينقض دينك، لا توافق على الكفر، ولا على المعاصي، واصبر حتى ولو قُتلت.
دين الإنسان مقدم على ماله، لكن المكره له رخصة، إذا أكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، فهذا إذا كان الإكراه ملجئ، فهذا عذر له قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)﴾ (1).
وهذا وإن لم يكن فيه يعني كلام في البدع، لكنه عام، وصية عمر - رضي الله عنه - عامة، اصبر على ولي الأمر ولو حصلت منه المعصية أو حصلت منه البدعة، لكن لا توافق على فعل المعاصي ولا على فعل البدع، لا تفعل المعاصي ولا تطع في فعل البدع ولا في فعل المعاصي. نعم.
حديث من بذل دينه دون ماله أورثه الله الفقر
وقال مطرف بن عبد الله: من بذل دينه دون ماله أورثه الله الفقر، وحشره يوم القيامة فيمن يحمل الراية بين يدي إبليس إلى جهنم.
لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذه المقالة لمطرف بن عبد الله بن الشخير الإمام التابعي المعروف، يقول مطرف بن عبد الله: "من بذل دينه دون ماله أورثه الله الفقر " يعني قدم المال على الدين، وأخذ المال ودفع دينه في المقابل، طلب منه الكفر فأخذ المال، دفع دينه وهو الإسلام واخذ المال، أو طُلب منه البدعة أو طُلب منه المعصية.
"فمن بذل دينه دون ماله" يعني قدم المال على الدين، "أورثه الله الفقر وحشره يوم القيامة فيمن يحمل الراية بين يدي إبليس إلى جهنم".
هذا إذا بذل دينه وفعل الكفر، فلا شك أنه كافر، أما إذا بذل دينه يعني فعل المعصية فيما دون الشرك وفيما دون الكفر فإنه يكون ضعيف الإيمان، وناقص الإيمان، إذا لم يستحل هذه الكبيرة. نعم ...
وفيه التحذير من البدع، ومن الكبائر البدع، نعم .. فالبدعة إذا كانت مكفرة وبذل دينه دون ماله فله هذا الحكم، فإنه يورثه الله الفقر ويحشر يوم القيامة مع إبليس إلى جهنم -نعوذ بالله. الكفرة ... ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)﴾ (2).
وإن كانت البدعة غير مكفرة ودون الشرك فهو ضعيف الإيمان، وهو على خطر. نعم.
حديث أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله
وقال الفضيل بن عياض: “ أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله “.
صدق -رحمه الله-، هذا لفظ حديث: “ أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله “.
ومعنى الحب في الله أن تحب ما يحبه الله: من شخص، أو فعل، أو حكم. تحب ما يحبه الله، من شخص، تحب المستقيم على طاعة الله، الذي يؤدي فرائض الله وينتهي عن محارم الله، ويبتعد عن البدع، ويستقيم على دينه، تحبه ولو كان بعيدًا، ولو لم يكن من قبيلتك، ولو لم يكن من قرابتك، ولو لم يكن من أهل بلدك، ولو كان عجميًا وأنت عربي، تحبه لدينه، لاستقامته، هذا هو الحب في الله.
وتبغض الإنسان إذا كان منحرفا، تبغض الكافر لكفره، والفاسق لفسقه، والمبتدع لبدعته ولو كان أخاك من أبيك وأمك، ولو كان أقرب الناس إليك، ولو كان أباك لا تحبه لدينه، ولكن تعامل الوالدين -ولو كانا كافرين- تعاملهم معاملة حسنة، تحسنهم إليهما، كما قال الله تعالى في الوالدين الكافرين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (3) ثم قال سبحانه: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (4).
صاحب الوالد -ولو كان كافرًا- تصاحبه في الدنيا معروفًا، تحسن إليه، تنفق عليه، تتلطف معه وإن كان عدوا لك من جهة الدين، يمكن تبغضه من جهة دينه.
وكذلك الابن، وكذلك الأخ، هذا هو الحب في الله والبغض في الله، يحب ما يحبه الإسلام من فعل أو شخص أو حكم، الأحكام الشرعية والأفعال التي شرعها الله والأشخاص، حب الأبرار والمتقين والمستقيمين ولو كانوا أبعد الناس منك نسبًا، وتبغض الأشرار والفساق والعصاة ولو كانوا من أقربائك، هذا هو الحب في الله والبغض في الله.
ومن ذلك بغض أهل البدع، من الحب في الله والبغض في الله تبغض أهل البدع ولو كانوا أقرباءك، وتبتعد عنهم، وتحذر من الإصغاء إلى بدعتهم. نعم.
حديث صاحب بدعة لا تأمنه على دينك
وقال الفضيل: صاحب بدعة لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه، فإنه من جلس إلى صحاب بدعة أورثه الله العمى.
نعم نسأل الله العافيه، وهذه المقالة للفضيل بن عياض -رحمه الله- يقول: صاحب بدعة لا تأمنه على دينك" نعم. لا يؤمَن؛ لأن عنده نوع من الخيانة، إذا كانت البدعة مكفرة فهو خائن فلا يؤمَن، من خان الله فلم يلتزم بعقد الإسلام والإيمان، فلا يؤمن.
وإذا كانت بدعته لا تكفر فهو ضعيف الإيمان، وناقص الإيمان، فلا يؤمن صاحب بدعة، لا تأمنه على دينك، نعم ولا تشاوره في أمرك، ليس أهلًا للمشورة؛ لأنه غير مؤتمن، ولا تجلس إليه، فإن
(1) - سورة النحل آية: 106.
(2) - سورة النساء آية: 140.
(3) - سورة لقمان آية: 15.
(4) - سورة لقمان آية: 15.