تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم، وهذه المقالة التي رواها أيوب السختياني التابعي الجليل وصية له، ووصية لكل مسلم، يقول له: يا أيوب، احفظ عني أربعا، وهي وصية ليست خاصة بأيوب، بل هي عامة، كل مسلم عليه أن يحفظ هذه الأربعة.

لأن الوصية والنصيحة والتوجيه والإرشاد والأمر إذا جاء في كتاب الله أو في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عن الصحابة أو عن التابعين، أو من بعدهم من العلماء فإنما يقصد به النصح لكل من تبلغه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لما سأله رجل: “ قال: أوصني، قال: لا تغضب، قال: أوصني، قال: لا تغضب فردد مرارا: "قال: لا تغضب" “.

هذه ليست وصية خاصة للرجل، بل هي وصية للأمة كلها؛ لأن الشريعة عامة، فهي وصية لهذا الرجل ولغيره.

الشريعة عامة إلا ما دل الدليل على تخصيص أحد، كما في الجزعة التي ضحى بها خال البراء قال له: جزعة من الماعز، قال: “ تجزيك ولن تجزئ عن أحد من بعدك “ هذا دليل على الخصوصية، وما لم يدل دليل على الخصوصية فالشريعة عامة، والوصايا عامة.

إذا أوصى أحد العلماء أحد تلاميذه فالوصية عامة له ولغيره، إذا أوصى الصحابي كذلك فالوصية له ولغيره، إذا أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدا فهي له ولغيره، إذا أمر الله بأمر فهو للأمة كلها.

فهذه الوصية التي أوصى بها أبو قلابة التابعي الجليل عامة له ولغيره، ينتفع بها كل مسلم، قال له: احفظ عني أربعا، أربع وصايا: الوصية الأولى: لا تقل في القرآن برأيك، يعني: لا تفسر القرآن برأيك، القرآن لا يفسر بالرأي، إنما يُفَسَّرُ كلام الله بكلام الله، أو بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - إن لم يوجد، أو بلغة العرب، أو بالرأي المستند إلى النصوص، ما يستنبط من النصوص.

أما الرأي المجرد، لا، فلهذا قال: "لا تقل في القرآن برأيك" وهو مجرد يبنى على الحظ وهذا ضلال؛ ولهذا ثبت عن الصديق الأكبر أبو بكر - رضي الله عنه - أنه قال لما سئل عن تفسير آية في القرآن وهو قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31)﴾ (1) قال: "أيّ سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله برأيي" أو بماذا أعلم.

فلا يجوز للإنسان أن يقول في القرآن برأيه، ومن قال في القرآن برأيه فقد أخطأ ولو أصاب.

هذه وصية عظيمة من أبي قلابة قال: "لا تقل في القرآن برأيك": لا تفسر القرآن برأيك، فالقرآن يفسر بالقرآن، كلام الله يفسر بعضه بعضا، فما أُجمل في مكان يُفصل في مكان آخر، فإن لم يجد في كتاب الله ينظر في سنة رسول الله، يفسر بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يجد فبأقوال الصحابة، فإن لم يجد فبأقوال التابعين، فإن لم يجد فبلغة العرب، فإن لم يجد فبقواعد النصوص، والقواعد المأخوذة من النصوص وما يستنبط من النصوص، فلا يفسر القرآن بالرأي؛ فلهذا قال: "لا تقل في القرآن برأيك".

الوصية الثانية: "وإياك والقدر" يعني: إياك أن تخاصم وتجادل في القدر، وإياك أن تعارض القدر، وإياك أن تنكر قدر الله احذر، احذر أن تخالف شرع الله في القدر، إما بالخصومة أو بالنزاع أو بالمعارضة، أو بإنكار قدر الله أو قضائه، أو بالاعتراض على قضاء الله وقدره.

فإياك والقدر، احذر، سلِّم لقضاء الله وقدره، من لم يُسلِّم هلك، لا تعارض قدر الله، عليك أن تسلم، قل: آمنت بالله، آمنت بقضاء الله وقدره.

وإذا ذكر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمسك أمسك، لا تسبهم ولا تعبهم ولا تتنقصهم، فإن هذا إنما يحصل ممن في قلبه مرض وزيغ ونفاق، سب الصحابة لا يصدر من قلب مؤمن، وإنما يصدر من قلب فيه نفاق، وفيه دغل وفيه مرض.

والواجب الإمساك عما صدر بين الصحابة، والترضي عنهم، ومعرفة منزلتهم وسابقتهم وفضلهم؛ ولهذا أوصى أبو قلابة قال: "وإذا ذكر أصحاب رسول الله فأمسك" أمسك عن عيبهم ولمزهم وذمِّهم وتنقصهم والوقوع في أعراضهم.

(1) - سورة عبس آية: 31.

شرح الإبانة الصغرى · الصفحة ١٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح الإبانة الصغرىص ١٦٥