تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما المتأخرون فإنهم بسبب بعدهم عن أنوار النبوة، وعن بعدهم عن مشكاة النبوة واختلاطهم بالأعاجم، والبعد عن ترجمة الكتب -كتب اليونان والرومان- نشأت الخصومات والنزاع في القدر، وفي أفعال الله وفي صفاته وأسمائه؛ ولهذا قال محمد ابن الحنفية -رحمه الله-: لا تقوم الساعة حتى تكون خصومة الناس في ربهم، وهذا فيه التحذير من النزاع والخصومات التي تولد الشبهات، والشبهات تولد البدع، نعم.

حديث يوشك أن تظهر شياطين مما أَوْسَق سليمان بن داود

وقال عبد الله بن ++عمرو: يوشك أن تظهر شياطين مما أَوْسَق سليمان بن داود -عليه السلام- يفقهون الناس.

أخرجه عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح بلفظ: فتقرأ على الناس قرآنا. وأخرجه مسلم في صحيحه، وابن وضاح كلهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

نعم، وهذا الأثر عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- كما ذكر المحقق، أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف، وأخرجه مسلم وأخرجه الدارمي -أيضًا- في سننه في المقدمة، فقال: أخبرنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن ليث عن طاووس عن عبد الله بن عمرو.

وعمرو هو عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: "يوشك أن يظهر شياطين قد أوسقها سليمان بن داود -عليه السلام- يفقهون الناس في الدين"، وهذا فيه تحذير من الإصغاء إلى شبه شياطين الجن والإنس.

الشيطان اسم للمتمرد من كل جنس فالمتمرد من الجن يسمى شيطانا كافرا، والمؤمن من الجن ما يسمى شيطانا، والمتمرد من الإنس يسمى شيطانا أيضًا، فالشياطين يكونون من الإنس ومن الجن، وهو المتمرد من كل نوع، وكذلك من الدواب كما قال -سبحانه-: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (1).

وهذا فيه التحذير من الشبهات التي يلقيها شياطين الإنس وشياطين الجن، فقوله: "يوشك" يعني: يقرب أن تظهر الشياطين "مما أوسق سليمان بن داود -عليه الصلاة والسلام- يفقهون الناس في الدين"، يعني: يزعمون أنهم يفقهون الناس في الدين، وهم يلبسون على الناس، ويُدخلون في الدين ما ليس منه، وأي فقه عند الشياطين!

لكن المراد يفقهون الناس في الدين يعني: يزعمون أنهم يفقهون الناس في الدين وهم يغيرون الدين رأسا على عقب، وهذا فيه التحذير من الإصغاء إلى ما تلقيه شياطين الجن وشياطين الإنس من الشبهات، والشهوات من الشبهات التي تتولد منها البدع، والبدع مخالفة للدين، وهي حدث في الدين.

ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: “ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد “ وفي لفظ لمسلم “ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد “.

فإذًا الحدث والبدع ليست من الدين، وإنما هي حدث في الدين، ولكن هؤلاء الشياطين من تلبيسهم للناس يزعمون أنهم يفقهونهم في الدين من باب التلبيس، نعم.

حديث لا تقل في القرآن برأيك

وقال أيوب السختياني: قال لي أبو قلابة: يا أيوب، احفظ عني أربعة: لا تقل في القرآن برأيك، وإياك والقدر، وإذا ذكر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمسك، ولا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك فينفذوا فيه ما شاءوا.

رواه المصنِّف في الكبرى، ورواه الهروي واللالكائي من طريق ابن بطة وابن عساكر عن أبي قلابة، عن ابن مسعود مرفوعا.

(1) - سورة الأنعام آية: 112.

شرح الإبانة الصغرى · الصفحة ١٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح الإبانة الصغرىص ١٦٤