تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إِتْمَامُ الْحَجِّ بِمَا وَجَدَ مِنَ الْإِحْرَامِ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَكَانَ بَعْضُ هَذَا الْإِحْرَامِ مُجْزِئًا عَنِ الْوَاجِبِ، وَبَعْضُهُ لَيْسَ مُجْزِئًا عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْمُجْزِئُ مِنْهُ بِصِحَّةِ غَيْرِ الْمُجْزِئِ؛ فَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ الْمَشْرُوعَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ جَعْلًا لِمَا وَجَدَ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَالْوُجُوبُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ مَا لَمْ يَقَعْ فَاسِدًا.

وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَبَيْنَ سَائِرِ أَجْزَاءِ الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّهَا إِنَّمَا لَمْ تُجْزِئْ لِكَوْنِ الْجُزْءِ الْمَفْعُولِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَاجِبًا بِكُلِّ حَالٍ، وَفِعْلُ الْوَاجِبِ قَبْلَ وَقْتِهِ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَعَدَمُ الْوَاجِبِ فِي الْعِبَادَةِ يُبْطِلُهَا، وَهُنَا الْإِحْرَامُ الْمَوْجُودُ قَبْلَ الْوَقْتِ إِذَا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَعَدَمُهُ لَا يُؤَثِّرُ.

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَحَدُ الْمِيقَاتَيْنِ فَانْعَقَدَ الْإِحْرَامُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ كَالْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَجَّ مَخْصُوصٌ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَالْوُقُوفَ وَالطَّوَافَ أَخَصُّ مَكَانًا وَزَمَانًا [مِنَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمَا فِي مَكَانِهِ وَزَمَانِهِ] وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالنُّسُكِ قَبْلَ مَكَانِ الْإِحْرَامِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ انْعَقَدَ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ زَمَانِهِ.

قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَمِيقَاتُ الزَّمَانِ جَمِيعُهُ بِمَنْزِلَةِ الْبُقْعَةِ الَّتِي يُشْرَعُ الْإِحْرَامُ مِنْهَا، لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَإِنْ تَقَدَّمَ انْعَقَدَ، لَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَهُوَ مِيقَاتُ الْمَكَانِ قَدْ نُهِيَ عَنِ التَّأَخُّرِ عَنْهُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ انْعَقَدَ وَلَزِمَهُ دَمٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ لِبَعْضِ النُّسُكِ، وَمِيقَاتُ الزَّمَانِ إِذَا أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِ جَوَازِهِ فَاتَ الْحَجُّ فَلَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِنْ كَانَ التَّقَدُّمُ فِي الزَّمَانِ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ الْوَقْتَ بِالْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ بِخِلَافِ الْمَكَانِ.

شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحج · الجزء ١ · الصفحة ٣٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحجج ١ · ص ٣٩٣