تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتشديد الباء مثل غراب وأغربة وغربان . سمي ذبابا لكثرة حركته واضطرابه ، وفي حديث أنس مرفوعا ﴿ الذباب كله في النار إلا النحل ﴾ قيل كونه في النار ليس بعذاب له ، بل ليعذب به أهل النار بوقوعه عليهم رواه أبو يعلى الموصلي . وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله ، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء ، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء ﴾ . وفي رواية النسائي وابن ماجه ﴿ إن أحد جناحي الذباب سم ، والآخر شفاء ، فإذا وقع في الطعام فامقله ، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء ﴾ . قال في حياة الحيوان : وقد تأملت الذباب فوجدته يتقي بجناحه الأيسر وهو مناسب للداء كما أن الأيمن مناسب للدواء . واستفيد من الحديث عدم تنجيسه للمائع ، ولو مات فيه كسائر ما لا نفس له سائلة من البق ، والبعوض ، والعقرب وأشباهها فكل ما لم يكن فيه نفع ولا أذى من الذباب ونحوه ( لم يضر ) أحدا ( كرهه ) وإتلافه ( طد ) أمر من وطد الشيء يطده وطدا إذا أثبته وثقله يعني أن ما خلا عن النفع والضر كان إتلافه وعدم إتلافه على حد سواء فيرجع إلى قسم ما فيه نفع وضر حيث خلا عن ملكية معصوم ؛ لأنه لما اتصف بالنفع والضر تعادل ضره ونفعه فتساقطا فصار كما لا نفع فيه ولا ضرر . والحاصل من ذلك إما أن يكون مجبولا على الأذى والضرر طبعا بلا نفع فيقتل ، أو ضده ، وهو ما فيه نفع بلا ضرر فلا ، أو ما فيه ضرر ونفع وخلا عن ملكية معصوم ، أو خلا عن الضرر والنفع فيباح قتلهما وعدمه ، والمراد ما لم يكن نهي الشارع عن إتلافه كالضفدع والنمل والله أعلم .

| مطلب : فيما يحل للمكره ، وما لا يحل

: وما حل للمضطر حل لمكره وما لا فلا غير الخمور بأوكد ( وما ) أي كل شيء ( حل للمضطر ) من أكل الميتة والدم ، والخنزير ونحوها ( حل ) أي : فإنه يحله ( لمكره ) بفتح الراء إذا أكره عليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه ﴾ رواه ابن ماجه ، والبيهقي وحسنه النووي وخرجه ابن حبان في صحيحه والدارقطني . وذلك لأن كلا من المضطر ، والمكره إنما يفعل ما اضطر إليه ، أو أكره عليه اتقاء تلف نفسه وإبقاء لها ، والمكره ، وإن كان له نوع اختيار كالمضطر إلا أن غرضه ليس نفس الفعل ، والعمل ، بل دفع الضرر عنه ، والأذى فهما مختاران من وجه غير مختارين من وجه ؛ ولذا اختلف الناس هل المكره مكلف في حال إكراهه ، أو لا . وأنت خبير بأن ظاهر النظم التفرقة بين ما فيه إتلاف لمعصوم وبين غيره ؛ ولذا قال الناظم : ( وما ) أي كل شيء ( لا ) يحل للمضطر ( فلا ) يحل للمكره ، فلو أكره على قتل معصوم لم يحل له كما لو اضطر إلى قتله وأكله ، فإنه لا يحل له ذلك .

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٦٣