اغتبته , فقال سفيان بل تستغفره مما قلت فيه , فقال ابن المبارك : لا تؤذه مرتين قال في الآداب الكبرى : ومثل قول ابن المبارك اختار الشيخ تقي الدين وابن الصلاح الشافعي في فتاويه . | وقال شيخ الإسلام رضي الله عنه بعد أن ذكر الروايتين في المسألة المذكورة : فكل غذاء في العرض من اغتياب صادق وبهت كاذب فهو في معنى القذف , إذ القذف قد يكون صادقا فيكون غيبة , وقد يكون كاذبا فيكون بهتا , واختار أصحابنا أنه لا يعلمه بل يدعو له دعاء يكون إحسانا إليه في مقابلة مظلمته كما روي في الأثر , وهذا أحسن من إعلامه , فإن في إعلامه زيادة إيذاء له , فإن تضرر الإنسان بما علمه من شتمه أبلغ من تضرره بما لا يعلم . | ثم قد يكون ذلك سبب العدوان على الظالم أولا إذ النفوس لا تقف غالبا عند العدل والإنصاف , ففي إعلامه هذان الفسادان . | وفيه مفسدة ثالثة ولو كانت بحق وهو زوال ما بينهما من كمال الألفة والمحبة أو تجدد القطيعة والبغضة والله تعالى أمر بالجماعة ونهى عن الفرقة , وهذه المفسدة قد تعظم في بعض المواضع أكثر من بعض , وليس في إعلامه فائدة إلا تمكينه من استيفاء حقه كما لو علم فإن له أن يعاقب إما بالمثل إن أمكن أو بالتعزير أو بالحد . | وإذا كان في الإيفاء من الجنس مفسدة عدل إلى غير الجنس , كما في القذف والفرية والجراح إذا خيف الحيف . | وهنا قد لا يكون حقه إلا في غير الجنس , أما العقوبة أو الأخذ من الحسنات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من كانت عنده غذاء لأخيه في دم أو مال أو عرض فليأته فليستحله قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات , فإن كان له حسنات أخذ من حسنات صاحبه فأعطيها وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئاته فألقيت على صاحبه ثم يلقى في النار ) وإذا كان كذلك فيعطيه في الدنيا حسنة بدل الحسنة ( فإن الحسنات يذهبن للسيئات ) فالدعاء له والاستغفار إحسان إليه , وكذلك الثناء عليه بدل الذم له , وهذا عام فيمن طعن على شخص أو لعنه أو تكلم بما يؤذيه أمرا أو خبرا بطريق الاقتداء أو التحضيض أو غير ذلك , فإن أعمال اللسان أعظم من أعمال اليد حيا أو ميتا , حتى ولو كان ذلك بتأويل أو شبهة ثم بان له الخطأ , فإن كفارة ذلك أن يقابل الإساءة إليه بالإحسان بالشهادة له بما فيه من الخير والشفاعة له بالدعاء , فيكون الثناء والدعاء بدل الطعن واللعن . | ويدخل في هذا الطعن واللعن الجاري بتأويل سائغ أو غير سائغ , كالتكفير والتفسيق ونحو ذلك مما يقع بين المتكلمين في أصول الدين وفروعه , كما يقع بين أصناف الفقهاء والصوفية وأهل الحديث وغيرهم من أنواع أهل العلم والنهى , من كلام بعضهم في بعض تارة بتأويل مجرد وتارة بتأويل مشوب بهوى وتارة بهوى محض , بل تخاصم هذا الضرب بالكلام والكتب كتخاصم غيرهم بالأيدي والسلاح , وهو شبيه بقتال أهل العدل والبغي والطائفتين الباغيتين والعادلتين من وجه .
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٥٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٤٥٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي