في أهلنا مشفقين ) ^ ( الطور : 26 ) . ومتى رأت ما قد وعدت به من أمور الآخرة , أيقنت يقينا لا شك معه , ولا يحصل هذا بإعادة ميت سواها , وإنما يحصل برؤية هذا الأمر فيها , فيبني بنية تقبل البقاء , ويسكن جنة لا ينقضي دوامها . | فيصلح بذلك اليقين أن تجاور الحق ; لأنها آمنت بما وعد , وصبرت بما ابتلى , وسلمت لأقداره فلم تعترض , ورأت في غيرها العبر ثم في نفسها , فهذه هي التي يقال لها | ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴾ فأما الشاك والكافر فيحق لهما الدخول إلى النار واللبث فيها ; لأنهما رأيا الأدلة ولم يستفيدا , ونازعا الحكيم واعترضا عليه , فلما لم ينتفع بالدليل في الدنيا لم ينتفع بالموت والإعادة . | ودليل بقاء الخبث في القلوب قوله تعالى | ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ | فنسأل الله عز وجل عقلا مسلما يقف على حده , ولا يعترض على خالقه ثم الويل للمعترض أيرد اعتراضه الأقدار . | فما يستفيد إلا الخزي , نعوذ بالله من الخذلان . | وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور : ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء ، ولا فيه أفضل من الرضا به . فأما الصبر فهو فرض ، وأما الرضا فهو فضل ، وإنما صعب الصبر لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس ، وليس مكروه النفس يقف على المرض والأذى في البدن ، بل هو يتنوع حتى يتحير العقل في جريانه . فمن ذلك أنك إذا رأيت مغمورا بالدنيا ، قد سالت له أوديتها حتى لا يدري ما يصنع بالمال ، فهو يصوغه أواني يستعملها ، ومعلوم أن البلور والعقيق والشبه قد يكون أحسن منها صورة ، غير أن قلة مبالاته بالشريعة جعلت عنده وجود النهي كعدمه ، ويلبس الحرير ويظلم الناس و الدنيا منصبة عليه ، ثم يرى خلقا من أهل الدين وطلاب العلم مغمورين بالفقر والبلاء ، مقهورين تحت ولاية ذلك الظالم ، فحينئذ يجد الشيطان طريقا للوسواس ؛ ويبتدىء بالقدح في حكمة القدر . | فيحتاج المؤمن إلى صبر على ما يلقى من الضرر في الدنيا . وعلى جدال إبليس في ذلك وكذلك في تسليط الكفار على المسلمين . والفساق على أهل الدين . وأبلغ من هذا إيلام الحيوان وتعذيب الأطفال . ففي مثل هذه المواطن يتحمض الإيمان . | ومما يقوى الصبر على الحالتين النقل والعقل . أما النقل فالقرآن والسنة . أما القرآن فمنقسم إلى قسمين . أحدهما بيان سبب إعطاء الكافر والعاصي . فمن ذلك قوله تعالى : ^ ( إنما أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ) ^ ( الإسراء : 16 ) . وفي القرآن من هذا كثير . | والقسم الثاني ابتلاء المؤمن بما يلقى ، كقوله تعالى : ^ ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) ^ ( آل عمران : 142 ) . ^ ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٤٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٤٤٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي