تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| . |

| 3 ( مطلب في رد قول من قال ما فائدة الإعدام بعد الإيجاد والابتلاء ممن هو غني عن أذانا ) 3

وقال في موضع آخر : رأيت كثيرا من المتغفلين يظهر عليهم السخط بالأقدار وفيهم من قل إيمانه فأخذ يعترض , وفيهم من خرج إلى الكفر , ورأى أن ما يجري كالعبث , وقال ما فائدة الإعدام بعد الإيجاد . | والابتلاء ممن هو غني عن أذانا . | فقلت لبعض من كان يرمز إلى هذا : إن حضر عقلك وقلبك حدثتك . | وإن كنت تتكلم بمجرد واقعتك من غير نظر ولا إنصاف فالحديث معك ضائع . | ويحك أحضر عقلك واسمع ما أقول . | أليس قد ثبت أن الحق سبحانه مالك وللمالك أن يتصرف كيف شاء . | أليس قد ثبت أنه حكيم والحكيم لا يعبث . | وأنا أعلم أن في نفسك من هذه الكلمة شيئا , فإنه قد سمعنا عن غذاء أنه قال ما أدري أحكيم هو أم لا . | والسبب في قول هذا أنه رأى نقضا بعد إحكام . | فقاس الحال على أحوال الخلق . | وهو أن من بنى ثم نقض لا لمعنى فليس بحكيم . | وجوابه لو كان حاضرا أن يقال بماذا بان لك أن النقض ليس بحكمة . | أليس بعقلك الذي وهبه الصانع لك وكيف يهب لك الذهن الكامل ويفوته هو الكمال . | وهذه المحنة التي جرت غذاء فإنه أخذ بعيب الحكمة بعقله . | فلو تفكر علم أن واهب العقل أعلى من العقل . | وأن حكمته أوفى من كل حكيم ; لأنه بحكمته التامة أنشأ العقول . | فهذا إذا تأمله المنصف زال عنه الشك . | وقد أشار سبحانه إلى نحو هذا في قوله تعالى | ﴿ أم له البنات ولكم البنون ﴾ ؟ أي جعل لنفسه الناقصات وأعطاكم الكاملين . | فلم يبق إلا أن نضيف العجز عن فهم ما يجري إلى أنفسنا . | ونقول هذا فعل عالم حكيم , ولكن ما تبين لنا معناه . | وليس هذا بعجب . | فإن موسى عليه السلام خفي عليه وجه الحكمة في نقض السفينة الصحيحة وقتل الغلام الجميل , فلما بين له الخضر وجه الحكمة أذعن . | فلنكن مع الخالق كموسى مع الخضر . | ألسنا نرى المائدة المستحسنة بما عليها من فنون الطعام النظيف الظريف يقطع ويمضغ ولا ينكر الإفساد له , لعلمنا بالمصلحة الباطنة فيه , فما المانع أن يكون فعل الحق سبحانه له باطن لا نعلمه . | ومن أجهل الجهال العبد المملوك إذا طلب أن يطلع على سر مولاه , فإن فرضه التسليم لا الاعتراض . | ولو لم يكن في الابتلاء بما تنكره الطباع إلا أن يقصد إذعان العقل وتسليمه لكفى . | قال : ولقد تأملت حالة عجيبة يجوز أن يكون المقصود بالموت هي , وذلك أن الخالق سبحانه في غيب لا يدركه الإحساس , فلو أنه لم ينقض هذه البنية لتخايل الإنسان أنه صنع لا يصانع فإذا وقع الموت عرفت النفس نفسها التي كانت لا تعرفها لكونها في الجسد , وتدرك عجائب الأمور بعد رحيلها , فإذا ردت إلى البدن عرفت ضرورة أنها مخلوقة لمن أعادها , وتذكرت حالها في الدنيا , فإن الأذكار تعاد كما تعاد الأبدان , فيقول قائلهم | ^ ( إنا كنا قبل

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٤٤٢