تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصفدي : ولما ولي الخلافة قالت له زوجته هل بقي لك أمل بعد الخلافة ؟ قال : نعم أن تحصل في ملكي حبابة ، فسكتت عنه إلى أن أنفدت تاجرا اشتراها بمال عظيم وأحضرتها له خلف ستر وأمرتها بالغناء ، فلما سمعها اهتز وطرب وقال هذا غناء أجد له في قلبي وقعا فما الخبر ؟ فكشف الستر وقالت هذه حبابة وهذا غناؤها فدونك وإياها ، فغلبت على قلبه من ذلك ولم ينتفع به في الخلافة . قال : وقال بعض أيام خلواته : الناس يقولون إنه لم يصف لأحد من الملوك يوم كامل وأنا أريد أن أكذبهم في ذلك ، ثم أقبل على لذاته وأمر أن يحجب عن سمعه وبصره كل ما يكره ، فبينما هو في صفو عيشه إذ تناولت حبابة حبة رمان فغصت بها فماتت ، فاختل عقله إلى أن نبشها من قبرها وتحدث الناس في خلعه من الخلافة ولم يعض بعدها غير خسمة عشر يوما . وفيها يقول لما دفنت : |

% فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى % % فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد % % انتهى والله أعلم . . | . . فيا أيها الذام الدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت إليك , بل متى غرتك , أبمنازل آبائك في الثرى , أم بمضاجع أمهاتك في البلى . | كم رأيت موروثا . | كم عللت بكفيك عليلا . | كم مرضت بيديك مريضا تبتغي له الشفاء وتستوصف له الأطباء , لم تنفعه بشفاعتك , ولم تشفه بطلبتك . | مثلت لك الدنيا غداة مصرعه ومضجعه مضجعك . | ثم التفت رضي الله عنه إلى المقابر فقال : يا أهل الغربة , ويا أهل التربة , أما الدور فقد سكنت , وأما الأموال فقد قسمت , وأما الأزواج فقد نكحت , فهذا خبر ما عندنا , فهاتوا خبر ما عندكم . | ثم التفت إلى أصحابه فقال أما لو أذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى . | قال الإمام ابن الجوزي : وإذ قد عرفت المذموم من الدنيا فكن قائما بالقسط لا تأخذ فوق ما يصلحك , ولا تمنع نفسك حظها الذي يقيمها . | كان بعض السلف يقول : إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال , وإذا فقدنا صبرنا صبر الرجال . | شعر : أرى الدنيا لمن هي في يديه وبالا كلما كثرت عليه تهين المكرمين لها بصغر وتكرم كل من هانت عليه إذا استغنيت عن شيء فدعه وخذ ما أنت محتاج إليه والله لقد سقت الدنيا أربابها سما , وأبدلتهم من أفراحهم بها هما , وأثابتهم على مدحهم لها ذما , وقطعت أكبادهم فماتوا عليها غما . | فيا مشغولا بها توقع خطبا ملما , إياك والأمل أما وأما , كم نادت الدنيا نادما , ألهته بالمنادمة , حتى سفكت بالمنى دمه , وصاحت به الآيات المحكمة , وكيف يبصر من في عينه كمه . | إياك وإياها فإنها تسحر العقول بالدمدمة , وتحسر المتبول بالزمزمة , فشمر عن ساق الجد لتحظى بدار الجد ودع القمقمة , فإن بعد العاقل عن دار المكر مكرمة شعر : أبالمنزل الفاني تؤمل أن تبقى كفاك بما ترجو وتأمله خرقا وفي كل يوم محدث لك فرقة ترى خطبها خطبا جليلا وان دقا لعمرك ما الدنيا بباقية ولا بها أحد يبقى فيطمع أن يبقى كان الحسن يقول : لو لم يكن لنا ذنوب نخاف على أنفسنا منها إلا حب الدنيا لخشينا على أنفسنا . | والله ما أحد من الناس بسط له دنيا فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه . | والله إن كان الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لييبس جلده على عظمه وما بينهما شحم ولا لحم يدعى إلى الدنيا حلالا فما يقبل منها قليلا ولا كثيرا يقول أخاف أن تفسد علي قلبي . | والله لقد أدركنا أقواما وصحبنا طوائف منهم . | والله لهم كانوا أزهد في الحلال منكم في الحرام . | وروى عبد الرحمن غذاء عن الليث أن عيسى بن مريم عليه السلام رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء عليها من كل زينة , فقال لها كم تزوجت ؟ قالت لا أحصيهم قال : فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك ؟ قالت : بل كلهم قتلت ! فقال عيسى عليه السلام : ( بؤسا لأزواجك الباقين , كيف لا يعتبرون بالماضين ) ؟ . | وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوهة خلقها , فتشرف على الخلائق , فيقال لهم أتعرفون هذه ؟ فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه , فيقال هذه الدنيا التي تناحرتم عليها , بها تقاطعتم الأرحام , وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم , ثم تقذف في جهنم , فتنادي يا رب أين أتباعي وأشياعي ؟ فيقول الله عز وجل ألحقوا بها أتباعها وأشياعها . | . |

| 3 ( مطلب سبب توسيع الرزق على أهل الجهل والحماقة ) 3

( الثالث ) قد أجرى الله العادة وهو الفاعل المختار أن يوسع الدنيا على أهل الجهل والرقاعة , والحماقة والخلاعة , ويضيقها على أهل العلم والحلم , والأدب والفهم قال الحكماء : والحكمة في هذا يعني أن الفضلاء يقلل لهم , والجهلاء يفاض عليهم لئلا يتوهم الفضلاء أن الفضل يرزقهم , وإنما يرزقهم الله تعالى . | وأقول : النفوس إما علوية ملكية , همها طلب معالي الأمور ونفائسها وما يلحقها بعالمها العلوي , وإما سفلية أرضية ترابية , غاية مطلبها ومركزها الأمور الترابية الأرضية , ولا ريب أن الأمور الدنيوية دنية سفلية أرضية , فبينها وبين النفوس السفلية تمام المناسبة , وشبه الشيء ينجذب إليه من غير مزيد كلفة , بخلاف النفوس العلوية , فبينها وبين الدنيا تمام المباينة , وإذا فرض بعض اتفاق مخالطة فهي إلى التنافر والتباين أقرب . | ومن هذا قول أبي الطيب المتنبي : |

% أود من الأيام ما لا توده % وأشكو إليها بيننا وهي جنده %

% يباعدن حبا يجتمعن ووصله % فكيف بحب يجتمعن وصده %

% أبي خلق الدنيا حبيبا تديمه % فما طلبي منها حبيبا ترده %

% وأسرع مفعول فعلت تغيرا % % تكلف شيء في طباعك ضده % وقال أرسطو غذاء : الأشكال لاحقة بأشكالها , كما أن الأضداد مباينة لأضدادها . | وقال المتنبي : |

% وشبه الشيء منجذب إليه % وأشبهنا بدنيانا الطغام %

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٤٣٣