| وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي في صيد الخاطر : رأيت جمهور العلماء يشغلهم طلبهم للعلم في زمن الصبا عن المعاش , فيحتاجون إلى ما لا بد منه , فلا يصلهم عن بيت المال شيء , ولا من صلات الإخوان ما يكفي , فيحتاجون إلى التعرض بالإذلال , فلم أر في ذلك من الحكمة إلا سببين , أحدهما : قمع إعجابهم بهذا الإذلال , والثاني : نفع أولئك بثوابهم . | ثم أمعنت الفكر فتلمحت نكتة لطيفة , وهي أن النفس الأبية إذا رأت حال الدنيا كذلك لم تساكنها بالقلب , ونبت عنها بالعزم , ورأت أقرب الأشياء شبها بها مزبلة عليها الكلاب , وإنما تؤتى لضرورة , فإذا نزل الموت بالرحلة عن مثل هذه لم يكن للقلب بها متعلق يتمكن فتهون حينئذ . | وقد أكثر الناس من القول في ذلك نثرا ونظما , ويسندون ذلك للزمان والدهر والدنيا على ضرب من المجاز وإلا فالفاعل هو الله جل شأنه لا غيره سبحانه , فمن ذلك قول ابن الوردي في لاميته :
% قاطع الدنيا فمن عاداتها % % تخفض العالي وتعلي من غذاء %
% عيشة الزاهد في تحصيلها % % عيشة الجاهل بل هذا أذل %
% كم جهول وهو مثر غذاء % % وعليل مات منها غذاء %
% كم شجاع لم ينل منها المنى % % وجبان نال غايات الأمل % وقول غذاء في لامية العجم : |
% أهبت بالحظ لو ناديت مستمعا % % والحظ عني بالجهال في شغل %
% لعله إن بدا فضلي ونقصهم % لعينه نام عنهم أو تنبه لي % % قال بعض الحكماء : قال الحظ للعقل : إن شئت سر أو أقم فإني مستغن عنك . | وقال القاضي الفاضل : |
% ما ضر جهل الجاهلين % ولا انتفعت أنا بحذقي %
% وزيادتي في الحذق فهي % زيادتي في نقص رزقي % % وقال شمس الدين الحكيم بن دانيال : |
% قد عقلنا والعقل أي وثاق % وصبرنا والصبر مر المذاق %
% كل من كان فاضلا كان مثلي % % فاضلا عند قسمة الأرزاق % وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه في ذلك : |
% لو أن بالحيل الغنى لوجدتني % % بنجوم أفلاك السماء تعلقي %
% لكن من رزق الحجا حرم الغنى % % ضدان مفترقان أي تفرق %