تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بحقوق النفس , وعلى هذا أكثر المتزهدين . | كذا قال رحمه الله تعالى . | ثم قال : واعلم أن الأرض خلقت مسكنا وما عليها ملبس ومطعم ومشرب ومنكح . | وقد جعلت المعادن فيها كالخزائن فيها ما يحتاج إليه , والآدمي محتاج إلى ذلك لصلاح بدنه الذي هو كالناقة للمسافر , فمن تناول ما يصلحه لم يذم , ومن أخذ فوق الحاجة بكف الشره وقع الذم لفعله وأضيف إلى الدنيا تجوزا , وليس للشره وجه ; لأنه يخرج إلى الأذى ويشغل عن طلب الأخرى فيفوت المقصود ويضر , بمثابة من أقبل يعلف الناقة ويبرد لها الماء , ويغير عليها أنواع الثياب , وينسى أن الرفقة قد سارت فإنه يبقى في البادية فريسة السباع هو وناقته ولا وجه في التقصير في تناول الحاجة من الدنيا ; لأن الناقة لا تقوى على السير إلا بتناول ما يصلحها . | وهذا كلام في غاية التحقيق . | لم يخرج إلا من جوف صديق والله ولي التوفيق . | قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الدنيا دار صدق لمن صدقها , ودار عافية لمن فهم عنها , مطلب نجح لمن سالم فيها مساجد الله عز وجل , ومهبط وحيه , ومصلى ملائكته , ومتجر أوليائه , فيها اكتسبوا الرحمة , وربحوا فيها العافية , فمن ذا يذمها وقد آذنت ببنيها , ونعت نفسها وأهلها , ذمها قوم غداة الندامة , وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا , ووعظتهم فانتهوا . | فيا أيها الذام الدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت إليك , بل متى غرتك , أبمنازل آبائك في الثرى , أم بمضاجع أمهاتك في البلى . | كم رأيت موروثا . | كم عللت بكفيك عليلا . | كم مرضت بيديك مريضا تبتغي له الشفاء وتستوصف له الأطباء , لم تنفعه بشفاعتك , ولم تشفه بطلبتك . | مثلت لك الدنيا غداة مصرعه ومضجعه مضجعك . | ثم التفت رضي الله عنه إلى المقابر فقال : يا أهل الغربة , ويا أهل التربة , أما الدور فقد سكنت , وأما الأموال فقد قسمت , وأما الأزواج فقد نكحت , فهذا خبر ما عندنا , فهاتوا خبر ما عندكم . | ثم التفت إلى أصحابه فقال أما لو أذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى . | قال الإمام ابن الجوزي : وإذ قد عرفت المذموم من الدنيا فكن قائما بالقسط لا تأخذ فوق ما يصلحك , ولا تمنع نفسك حظها الذي يقيمها . | كان بعض السلف يقول : إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال , وإذا فقدنا صبرنا صبر الرجال . | شعر : |

% أرى الدنيا لمن هي في يديه % وبالا كلما كثرت عليه %

% تهين المكرمين لها بصغر % وتكرم كل من هانت عليه %

% إذا استغنيت عن شيء فدعه % وخذ ما أنت محتاج إليه % والله لقد سقت الدنيا أربابها سما , وأبدلتهم من أفراحهم بها هما , وأثابتهم على مدحهم لها ذما , وقطعت أكبادهم فماتوا عليها غما . | فيا مشغولا بها توقع خطبا ملما , إياك والأمل أما وأما , كم نادت الدنيا نادما , ألهته بالمنادمة , حتى سفكت بالمنى دمه , وصاحت به الآيات المحكمة , وكيف يبصر من في عينه كمه . | إياك وإياها فإنها تسحر العقول

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٤٣٠