لذاتها , ونفض يديه من شهواتها , وأن ذلك عن اختيار لا اضطرار , علم وتحقق أن التقلل من الدنيا وزينتها أفضل وأكمل , وأنا أتعجب من تفضيل الغني - وإن كان شاكرا - على الفقير الصابر , وقد علمت أن الفقير يسلم من شدة الحساب . | ويسبق الغني إلى الجنة بخمسمائة عام . | وهل يختار الله لرسوله إلا أكمل الحالات . | وهل يختار الرسول لنفسه إلا أفضل المقامات . | وقد أفردت لهذه المسألة رسالة أتيت فيها بأكثر أحاديث مدح الفقر والفقراء , والإعراض عن الدنيا والتقلل منها والله الموفق . |
| 3 ( مطلب في ذكر الأخبار والآثار التي وردت في ذم الدنيا ) 3
( الثاني ) قد ترادفت الأخبار , وتواترت الآثار , بذم الدنيا وزينتها ومدح التقلل منها والإعراض عنها , والزهد فيها وفي لذاتها . | قال تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث , ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب . | قل غذاء بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد . | وقال تعالى إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام الآية . | وقال تعالى وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . | وقال وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب , وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون . | وقال بل تؤثرون الحياة الدنيا . | والآخرة خير وأبقى . | وقال أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة , فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل . | إلى غير ذلك من الآيات . | والمتاع هو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع ويضمحل ويفنى . | فما عيبت الدنيا بأبلغ من فنائها , وتقلب أحوالها . | وهو أدل دليل على نقصانها وزوالها . | فتتبدل صحتها بالسقم , ووجودها بالعدم , وشبيبتها بالهرم , ونعيمها بالبؤس ; وحياتها بالموت , فتفارق الأجسام النفوس , وعمارتها بالخراب , واجتماعها بفرقة الأحباب . | وكل ما فوق التراب تراب . | كان الإمام أحمد رضي الله عنه يقول : يا دار تخربين ويموت سكانك .