تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| ولهذا قال الناظم : رحمه الله تعالى بعد أمره باتخاذ الرضا درعا وجنة ووقاية يتحصن به عن اختلاج القلب واضطرابه من النوائب والخطرات والهواجس والشبهات , بل يكون مطمئن القلب ساكن اللب ( ل ) جميع ( ما ) أي الذي ( قلب ) ه ( الرحمن ) جل ثناؤه وصرفه وقضاه وقدره من المكروهات والمحبوبات . |

| 3 ( مطلب في بيان الفرق بين الرضا والمحبة وبين الرجاء والخوف ) 3

قال غذاء قدس الله سره : الرضا هو صحة العلم الواصل إلى القلب , فإذا باشر القلب حقيقة العلم أداه إلى الرضا , وليس الرضا والمحبة كالرجاء والخوف , فإن الرضا والمحبة حالان من أحوال أهل الجنة لا يفارقان في الدنيا ولا في البرزخ ولا في الآخرة , بخلاف الخوف والرجاء فإنهما يفارقان أهل الجنة بحصول ما كانوا يرجونه , وأمنهم مما كانوا يخافونه , وإن كان رجاؤهم لما ينالون من كرامته دائما لكنه ليس رجاء مشوبا بشك . | بل رجاء واثق بوعد صادق من حبيب قادر , فهذا لون ورجاؤهم في الدنيا لون . | وقال ابن عطاء الله غذاء رحمه الله تعالى : الرضا سكون القلب إلى قدم اختيار الله للعبد أنه اختار له الأفضل فيرضى به . | قال ابن القيم : وهذا الرضا بما منه , وأما الرضا به فأعلى من هذا وأفضل , ففرق بين من هو راض بمحبوبه وبين رضاه فيما يناله من محبوبه من حظوظ نفسه . | واعلم أنه ليس من شرط الرضا أن لا يحس بالألم والمكاره , بل أن لا يعترض على الحكم ولا يتسخطه . | ولهذا أشكل على بعض الناس الرضا بالمكروه وطعنوا فيه وقالوا : هذا ممتنع على الطبيعة وإنما هو الصبر , وإلا فكيف يجتمع الرضا والكراهة وهما ضدان . | والصواب أنه لا تناقض بينهما , وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا تنافي الرضا , كرضا المريض بشرب الدواء الكريه , ورضا الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ , ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها . | وقد قال غذاء رحمه الله تعالى : استعمل الرضا جهدك ولا تدع الرضا يستعملك فتكون محجوبا بلذته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع . | وهذا الذي أشار إليه رحمه الله عقبة عظيمة عند القوم ومقطع لهم , فإن مساكنة الأحوال والسكون إليها والوقوف عندها استلذاذا ومحبة حجاب بينهم وبين ربهم بحظوظهم عن مطالعة حقوق محبوبهم ومعبودهم , وهي عقبة لا يجوزها إلا أولو العزائم , وكان غذاء كثير التحذير من هذه شديد التنبيه عليها . | ومن كلامه : إياكم واستحلاء الطاعات فإنها سموم قاتلة . | فهو معنى قوله استعمل الرضا لا تدع الرضا يستعملك , أي لا يكون عملك لأجل حصول حلاوة الرضا بحيث تكون هي الباعثة لك عليه , بل اجعله آلة لك وسببا موصلا إلى مقصودك ومطلوبك , فتكون مستعملا له لا أنه

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٤١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٤١٦