تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مكتسبة وأنه موهبة محضة , فكيف يؤمر به وليس مقدورا . | وهذه مسألة اختلف فيها أرباب السلوك على ثلاث طرق ( الرضا والسخط ) , غذاء ن قالوا إن الرضا من جملة المقامات وهو نهاية التوكل . | فعلى هذا يمكن أن يتوصل إليه العبد باكتسابه . | والعراقيون قالوا هو من جملة الأحوال , وليس كسبيا للعبد , بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال . | والفرق بين المقامات والأحوال أن المقامات عندهم من المكاسب , والأحوال مجرد المواهب . | وحكمت فرقة ثالثة بين الطائفتين منهم صاحب الرسالة يعني غذاء وغيره فقالوا : يمكن الجمع بينهما بأن يقال : بداية الرضا مكتسبة للعبد وهي من جملة المقامات , ونهايته من جملة الأحوال , فأوله مقام ونهايته حال . | واحتج من جعله من جملة المقامات بأن الله مدح أهله وأثنى عليهم وندبهم إليه فدل على أنه مقدور لهم . | وقال صلى الله عليه وسلم ( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا , وبالإسلام دينا , وبمحمد رسولا ) وقال : ( من قال حين يسمع النداء رضيت بالله ربا , وبالإسلام دينا , وبمحمد رسولا , غفرت له ذنوبه ) . | وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين , وإليهما ينتهي , وقد تضمنا الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته , والرضا برسوله والانقياد له , والرضا بدينه والتسليم له ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصديق حقا , وهي سهلة بالدعوى واللسان , ومن أصعب الأمور على الحقيقة والامتحان , ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها . | ولسنا بصدد بيان ذلك . | قال ابن القيم : والتحقيق في المسألة أن الرضا كسبي باعتبار سببه , وهبي باعتبار حقيقته , فمن تمكن بالكسب لأسبابه وغرس شجرته اجتنى منها ثمرة الرضا , فإنه آخر التوكل , فمن رسخ قدمه في التوكل والتسليم والتفويض حصل له الرضا ولا بد . | ولكن لعزته وعدم إجابة أكثر النفوس له وصعوبته عليها لم يوجبه الله على خلقه رحمة منه بهم وتخفيفا عنهم . | نعم ندبهم إليه وأثنى على أهله , وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنات وما فيها , فمن رضي عن ربه رضي الله عنه , بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه , فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده , رضا قبله أوجب له أن يرضى عنه , ورضا بعده هو ثمرة رضاه عنه . | ولذا كان الرضا باب الله الأعظم , وجنة الدنيا , ومستراح العارفين , وحياة المحبين , ونعيم العابدين , وقرة أعين المشتاقين . | ومن أعظم أسباب حصول الرضا أن يلزم ما جعل الله سبحانه رضاه فيه فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد . | قيل ليحيى بن معاذ رحمه الله : متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا ؟ فقال إذا أقام نفسه على أربعة فصول فيما يعامل به ربه , فيقول إن أعطيتني قبلت , وإن منعتني رضيت , وإن تركتني عبدت , وإن دعوتني أجبت .

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٤١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٤١٥