تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العقول في الآراء والحكم والحيل وغيرها متفاوتة , وذلك يدل على تفاوت العقول في نفسها . وأجمع العقلاء على صحة قول القائل : فلان أعقل من فلان أو أكمل عقلا , وذلك يدل على اختلاف ما يدرك به , ولحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء ( أليس شهادة إحداكن مثل شهادة نصف الرجل ؟ قلن : بلى , قال : فذلك من نقصان عقلها ) . وقال ابن عقيل والأشاعرة والمعتزلة : العقل لا يختلف ; لأنه حجة عامة يرجع إليها الناس عند اختلافهم , ولو تفاوتت العقول لما كان كذلك , انتهى والحق الأول , والله أعلم . | فإن قلت : قد ذكرت أن العقل غير مكتسب , فما وجه قول الناظم أنه يستفاد من مطالعة كتب العلم ؟ قلت : العقل عقلان , غريزي وهذا هو الذي لا يزيد ولا يختلف , والثاني تجربي يختلف ويزيد وينقص بحسب كثرة الممارسة والتجربة , وهذا ظاهر والله أعلم . وقد نص عليه غذاء منا وذكره في شرح التحرير ومختصره , وقاله غذاء من الشافعية وغيرهم والله أعلم . وقول الناظم مؤيد . النسخ التي رأيتها بالباء الموحدة أي الدائم المستمر , والصواب أنه بالياء المثناة تحت من أيدته تأييدا قويته تقوية . قال الإمام المحقق ابن القيم روح الله روحه في كتابه الكلم الطيب والعمل الصالح سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة , يعني الكتب . قال وقال لي مرة : ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني , أنا حبسي خلوة , وقتلي شهادة , وإخراجي من بلدي سياحة . وقال لي مرة : المحبوس من حبس قلبه عن ربه , والمأسور من أسره هواه . قال وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاق الرفاهية والنعيم بل ضدها مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا , وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا تلوح نضرة النعيم على وجهه قال : وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله , وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة , فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاه من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها .

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٣٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٣٦٨