|
| 3 ( مطلب في فضل العزلة عن الناس وأنها موجبة لسلامة الدين ) 3
% وفي خلوة الإنسان بالعلم أنسه % ويسلم دين المرء عند التوحد % ( وفي خلوة ) أي انفراد ( الإنسان ) عن الناس وأحوالهم وشؤونهم ( ب ) مطالعة كتب ( العلم ) من التفسير والحديث والفقه وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والتفهم في ذلك , وتتبع أيامه صلى الله عليه وسلم وأحواله وشؤونه ( والتأدب بآدابه . والتخلق بما أمكنه من أخلاقه , وذكر غزواته وسراياه ومكاتباته , والوفود الذين كانوا يفدون عليه من أقطار الأرض , ومطالعة كتب الرقائق والوعظ وذم الدنيا والاحتفال بها والرضا عن النفس , ومطالعة اللغة العربية وكتب النحو وما يحتاج إليه من الآلات , فمطالعة المرء لهذه العلوم والخلوة بها ( أنسه ) في خلوته ووحدته . | قال في القاموس : والأنس بالضم وبالتحريك والأنسة محركة ضد الوحشة , وقد أنس به بتثليث النون وآنسه ضد أوحشه , وآنس الشيء أبصره . فإذا كان الإنسان قد منحه الله تعالى طرفا صالحا من العلوم وانفرد بها عن أبناء زمانه في خلوته لم يستوحش أبدا . كيف وهو يمر على أخبار الأوائل وأيامهم , ويطلع على غذاء وأحوالهم , ويظهر على أفعالهم وكلامهم , ونثرهم ونظامهم , وكرمهم وقتالهم , وهممهم ونكالهم , وإقدامهم وإحجامهم , وإحلالهم وإبرامهم , وكفرهم وإسلامهم , وأديانهم وأصنامهم , وحلم الرسل وعزمهم , وسعة أخلاقهم وحزمهم , وعفوهم وصبرهم , وتضرعهم إلى الحق وذكرهم , حتى إذا انتهيت إلى سيرة الخاتم للرسالة والقامع للكفر والضلالة , كنت كأنك بين أظهر الصحابة الكرام الذين قشع الله بهم الكفر وأباده , ونصر بهم نبيه صلى الله عليه وسلم وأهلك أضداده , فتارة تفرح وأخرى تبكي , ورأيت وقعاتهم واحدة تشرح وأخرى تنكي فمن كان في خلوته بهذه المثابة , كيف لا تفارقه الوحشة والكآبة , ويصحبه الأنس والسرور والمهابة , مع ما يطلع عليه من معرفة الأحكام الشرعية , والأخبار النبوية , وسير الملوك والدول , وأخبار الأحبار والأول , والشرائع والملل , والمقالات والنحل , وأهل التقوى والخشوع , والطاعة والخضوع , والظلمة والجبابرة , والأكاسرة والقياصرة , فكل هذا يأنس به في خلوته , ويسكن إليه في وحدته ( ويسلم دين المرء ) المختلي من شائبة الرياء ومقارفة الأذى ( عند التوحد ) والانفراد , والعزلة عن العباد . ومن سلم دينه فقد حصل على غاية المراد , وسعد كل الإسعاد . ولا يخفى عليك أن الخلوة عن الخلق إنما تمدح لمن أتقن أمر دينه , وعلم من العلوم ما يتعين عليه علمه , وعرف الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحظور , وما يجب لله ويجوز , وما يستحيل في حقه جل شأنه وتعالى سلطانه , وكذا الرسل عليهم الصلاة والسلام . وهذا مفهوم من فحوى كلام الناظم حيث إنه جعل هذا المختلي قد أنس بما معه من العلوم والمعارف , والأذكار والوظائف , وهذا لا بد منه قبل الخلوة ليعبد الله على علم والله تعالى أعلم .