| وقال عبد الرحمن بن مهدي : رأيت سفيان الثوري في المنام فقلت ما فعل الله بك ؟ قال لم يكن إلا أن وضعت في لحدي حتى وقفت بين يدي الله تعالى فحاسبني حسابا يسيرا ثم أمر بي إلى الجنة , فبينما أنا أدور بين أشجارها وأنهارها لا أسمع حسا ولا حركة إذ سمعت قائلا يقول سفيان بن سعيد , فقال : تحفظ أنك آثرت الله على هواك يوما ؟ قلت : إي والله , فأخذني النثار من كل جانب . وعلى كل حال مخالفة الهوى توجب شرف الدين وشرف الآخرة وعز الظاهر وعز الباطن , ومتابعته تضع العبد في الدنيا والآخرة , وتذله في الباطن والظاهر . وذكر شيخ مشايخنا بسنده عن محمد بن حماد عن الزبير : |
% إذا المرء أعطى نفسه كلما اشتهت % ولم ينهها تاقت إلى كل باطل %
% وساقت إليه الإثم والعار للذي % % دعته إليه من حلاوة عاجل % ولأبي إسحاق الشيرازي في مثل ذلك : |
% إذا حدثتك النفس يوما بشهوة % وكان عليها للخلاف طريق %
% فخالف هواها ما استطعت فإنما % % هواها عدو والخلاف صديق % % وإذا جمع الله الناس في صعيد واحد نادى مناد ليعلمن أهل الجمع من أهل الكرم اليوم ألا ليقم المتقون , فيقومون إلى محل الكرامة ( وأما المتبعون لهواهم ناكسوا رءوسهم في الموقف في حر الهوى وعرقه وألمه وحرقه , وأولئك في ظل عرش الرحمن لا حر ولا ذل ولا هوان . | فإذا علمت هذا . |
| 3 ( مطلب لا تشتغل إلا بما يكسب العلا ) 3
% فلا تشتغل إلا بما يكسب العلا % % ولا ترض للنفس النفيسة بالردي % ( فلا تشتغل ) بشيء من الأشغال ( إلا بما ) أي بشغل ( يكسب العلا ) من العلم والأدب ومعالي الأمور ومفاخر الرتب ( ولا ترض للنفس النفيسة ) المرغوب فيها لا عنها ( ب ) الفعل ( الردي ) أي المردي لها أو الفعل الذي يؤديها إلى الردي والهلاك , فإن هذا لا يفعله صديق بصديقه ولا رفيق برفيقه , والنفس عندك وديعة أودعتها , وحفيظة استحفظتها , فلا تذهب بها إلى الهلكات ولا تلقها في غذاء التلفات , وإذا كنت لا تنصح نفسك التي بين جنبيك وتراقب فيها الرب المهيمن عليك , فيا طول دمارك , ويا أسفي عليك . | فمن لا ينصح لنفسه , كيف ينصح لأبناء جنسه , من والديه وولده وحواشيه وعرسه . | ثم ذكر الناظم أشياء من فضل العزلة عن الناس فقال :