تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مطلق الإيمان , وسأل جعفر بن محمد رضي الله عنهما عن هذا الحديث فخط دائرة في الأرض وقال هذه دائرة الإيمان ثم خط دائرة أخرى خارجة عنها وقال هذه للإسلام , فإذا زنى العبد خرج من هذه ولم يخرج من هذه , ولا يلزم من ثبوت جزء ما من الإيمان له أن يسمى مؤمنا , كما أن الرجل يكون معه جزء ما من العلم ولا يسمى به عالما فقيها , وكذلك يكون معه شيء من التقوى ولا يسمى متقيا ونظائره . | قال ابن القيم : فالصواب إجراء الحديث على ظاهره , ولا يتأول بما يخالف ظاهره . | قلت : وكنت سألت في سنة سبع وثلاثين ومائة وألف هل يكون الزاني في حال تلبسه بالزنا وليا لله تعالى ؟ قلت : لا , فعظم ذلك على بعض الطلبة والمدرسين , ومضى رجل من الإخوان إلى أحد الأعيان فذكر له القصة وحرف بعض تحريف , وكان ذلك الكبير من أشياخي , فلما حضرت لصلاة الظهر في جامع بني أمية وفرغت من الصلاة وانصرفت إلى نحو المدرسة أرسل إلي الشيخ وقال لي بلغني عنك مقالة ساءتني , فقلت له : لا ساءك الله بمكروه ما هي ؟ فذكر لي القضية , فقلت : سبحان الله , المصطفى يسلبه اسم الإيمان وأنتم لا تسلبونه اسم الولاية , فلا بد من حمل كلام المعصوم على أحد أمرين , إما أن يكون إيمان الزاني قد ارتفع عنه كما في حديث أبي هريرة عند أبي غذاء وغيره , وكان عليه كالظلة , وعند غذاء : أن الإيمان سربال سربله الله من يشاء , فإن زنى العبد نزع منه سربال الإيمان , فإن تاب رد عليه , أو يكون إيمانه ناقصا , وعلى الحالتين فليس هو وليا في تلك الحالة . | فرضي الشيخ بما قلت ودعا لي وانصرف , والله أعلم . | ومنها أنه يفارقه الطيب المتصف به أهل العفاف , ويتبدل به الخبث المتصف به الزناة في قوله تعالى : | ﴿ الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ﴾ وقد حرم الله الجنة على كل خبيث بل جعلها مأوى الطيبين . | قال تعالى : | ﴿ الذين تتوفاهم الملآئكة طيبين ﴾ , ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ﴾ والزناة من أخبث الخلق . | وقد جعل الله جهنم دار الخبث وأهله ; فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب وجعل الخبيث بعضه فوق بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم , فلا يدخل النار طيب كما لا يدخل الجنة خبيث . | ومنها أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن . | وإذا كان الله سبحانه عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه في الآخرة يوم القيامة فلأن يمنع من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا من التمتع بالحور العين يوم القيامة أولى . | بل كل ما ناله العبد في الدنيا , فإن التوسع من حلاله ضيق من حظه يوم القيامة بقدر ما يتوسع فيه فكيف بالحرام .

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٣٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٣٤٦