تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } ولذا قال أبو موسى رضي الله عنه ﴿ كان لنا أمانان ذهب أحدهما ، وبقي الآخر ﴾ رواه الإمام أحمد . قال الإمام المحقق ابن القيم : الاستغفار الذي يمنع العذاب هو الاستغفار بالإقلاع عن كل ذنب ، وأما من أصر على الذنب وطلب من الله المغفرة فاستغفاره لا يمنع العذاب ؛ لأن المغفرة هي محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره ، لا كما ظنه بعض الناس أنها الستر ، فإن الله - تعالى - يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له ، فحقيقتها وقاية شر الذنب ، ومنه المغفر لما يقي الرأس من الأذى ، والستر لازم لهذا المعنى . وإلا فالعمامة لا تسمى مغفرا ولا القبعة ونحوه مع ستره انتهى . وروى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وقال صحيح الإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا ﴿ من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ، ومن كل هم فرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب ﴾ .

| مطلب : في تحقيق معنى قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنه ليغان على قلبي ﴾ الحديث

. وفي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود وغيرهم عن الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ﴿ إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة ﴾ هذا لفظ أبي داود ولفظ الإمام أحمد ومسلم ﴿ إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة ﴾ قال : وسمعته يقول ﴿ : توبوا إلى ربكم فوالله إني لأتوب إلى ربي - تبارك وتعالى - مائة مرة في اليوم ﴾ . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا . قال أهل اللغة : هو بالغين المعجمة ، والغيم بمعنى واحد ، والمراد هنا الذي يغشى القلب . وقيل الغين لغة الغيم . وفي معنى الغين خلاف بين العلماء رضي الله عنهم . فقال بعضهم قد يكون هذا الغين السكينة التي تغشى قلبه لقوله تعالى ﴿ فأنزل الله سكينته على رسوله ﴾ والسكينة فعيلة من السكون الذي هو الوقار الذي هو فقد الحركة ويكون الاستغفار إظهارا للعبودية والافتقار وملازمة الخضوع وشكرا لما أولاه مولاه . وقال القاضي عياض : ويحتمل أن هذا الغين حال خشية وإعظام يغشى القلب ويكون استغفاره شكرا . وقيل : كان عليه الصلاة والسلام في ترق من مقام إلى مقام . فإذا ارتقى من المقام الذي كان فيه إلى مقام أعلى استغفر من المقام الذي كان فيه .

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٢٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٢٩٥