وقال مرة : ﴿ إذا مشى تقلع ﴾ ، والتقلع الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحط في الصبب ، يعني يرفع رجليه من الأرض رفعا بائنا بقوة ، والتكفؤ التمايل إلى قدام ، كما تتكفأ السفينة في جريها ، وهو أعدل المشيات . قلت : وفي مسند الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ﴿ ما رأيت أحدا أسرع مشية من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكأنما الأرض تطوى له ، كنا إذا مشينا معه نجهد أنفسنا ، وإنه لغير مكترث ﴾ . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى مشى مجتمعا ليس فيه كسل ﴾ . وابن سعد عن مرثد بن مرشد قال : ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى أسرع حتى يهرول الرجل فلا يدركه ﴾ . وروي عن علي رضي الله عنه قال : ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحدر من صبب ﴾ . ورواه البخاري وزاد : ﴿ وإذا مشى لكأنما يمشي في صعد ﴾ . وفي رواية لابن سعد عنه رضي الله عنه ﴿ أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب ﴾ . وروي أيضا عنه : ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى تقطع كأنما ينحدر من صبب ﴾ . فدلت هذه الأحاديث وأمثالها مما لم نذكر أن مشيته صلى الله عليه وسلم لم تكن بمماتة ولا بمهانة ، والصبب بفتح الصاد المهملة والباء الموحدة الأولى : الموضع المنحدر من الأرض ، وذلك دليل على سرعة مشيه ؛ لأن المنحدر لا يكاد يثبت في مشيه ، والتقطع الانحدار من الصبب ، والتقطع من الأرض قريب بعضه من بعض . يعني أنه كان يستعمل التثبت ولا يبين منه في هذه الحالة استعجال ومبادرة شديدة ، وأراد به قوة المشي ، وأنه يرفع رجليه من الأرض رفعا قويا لا كمن يمشي اختيالا ويقارب خطوه ، فإن ذلك من مشي النساء . نعم ينبغي للإنسان أن يقارب خطاه إذا كان ذاهبا إلى المسجد لأجل الصلاة كما مر . فأعدل المشيات مشيته صلى الله عليه وسلم فإن الماشي إن كان يتماوت في مشيته ويمشي قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة فمشية قبيحة مذمومة . قال ابن القيم رحمه الله : الثانية من المشيات : أن يمشي بانزعاج واضطراب ، مشي الجمل الأهوج ، وهي مذمومة أيضا ، وهي علامة على خفة عقل صاحبها ، ولا سيما إن كان يكثر الالتفات يمينا وشمالا . الثالثة : أن يمشي هونا وهي مشية عباد الرحمن . قال غير واحد من السلف : بسكينة
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٢٧٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٢٧٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي