تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله عز وجل بها عنه حتى الشوكة يشاكها ﴾ . قال الشيخ شمس الدين المينحي في كتابه ( تسلية أهل المصائب ) ، وهو من أئمة المذهب : قد جعل الله - سبحانه كلمات الاسترجاع وهي قول المصاب إنا لله وإنا إليه راجعون ملجأ وملاذا لذوي المصائب . وعصمة للممتحنين من الشيطان ، لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة ، فيهيج ما سكن ويظهر ما كمن ، فإذا لجأ إلى هذه الكلمات الجامعات لمعاني الخير والبركة فقد اعتصم بها من وسوسة الشيطان ، فإن قوله إنا لله توحيد وإقرار بالعبودية والملك ، وقوله : وإنا إليه راجعون إقرار بأن الله يهلكنا ثم يبعثنا ، فهو إيمان بالبعث بعد الموت ، وهو إيمان أيضا بأن له الحكم في الأولى وله المرجع في الأخرى ، فهو من اليقين أن الأمر كله لله فلا ملجأ منه إلا إليه . ثم قال : ليعلم العبد ويتحقق أن نفسه وأهله وماله وولده ملك لله عز وجل حقيقة ، وقد جعله الله عند العبد عارية فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ عاريته من المستعير . وأيضا فإنه محفوف بعدمين عدم قبله وعدم بعده . وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير . وأيضا فإنه ليس هو الذي أوجده عن عدم حتى يكون ماله حقيقة ، ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده ، ولا يبقى عليه وجوده ، فليس له فيه تأثير ، ولا ملك حقيقي . وأيضا فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور المنهي لا تصرف الملاك ، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي ، ثم إن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ويأتي ربه يوم القيامة فردا كما خلقه أول مرة بلا أهل ، ولا مال ولا عشيرة ، ولكن يأتيه بالحسنات والسيئات . فإذا كانت هذه بداية العبد ، وما خوله فيه ونهايته وحاله فيه ، فكيف يفرح العبد بولد أو مال أو غير ذلك من متاع الدنيا ، أم كيف يأسى على مفقود ؟ . ففكرة العبد في بدايته ونهايته من أعظم علاج المصائب . ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه . قال تعالى ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ﴾ . ومن تأمل هذه الآية الكريمة وجد فيها شفاء ودواء لكل مصيبة . انتهى . .

| مطلب : بشارة عظيمة

( بشارة عظيمة ) . ورد عن النبي المختار ، صلى الله عليه وسلم ما تعاقب الليل والنهار ، أن من أصيب بمصيبة فذكرها ولو بعد مدة طويلة فجدد لها استرجاعا وصبرا جدد الله له ثوابا وأجرا .

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٢٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٢٦٠