لما ندب الله العباد لشكره فقال اشكروني أيها الثقلان ولما كان الشكر يستدعي المزيد من النعم والبر وعد الناظم الشاكر والراضي بالمثوبة وازدياد الرزق ورغم الأعداء والحساد ، فيحتمل أن ذلك يحصل لكل واحد من الراضي والشاكر ، وهو الأقرب ، ويحتمل أنه على طريق اللف والنشر المشوش أي أن الراضي بقسمة الله تعالى يثاب ثواب الراضين . والشاكر يزداد رزقا وإرغاما للحاسدين . وهذا أنسب من جهة المعنى . وهو منتزع من قوله تعالى : ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ . ومن كلام بعضهم : الشكر قيد للنعم الموجودة ، وصيد للنعم المفقودة . ومن كلام آخر : إن حقا على من لعب بنعم الله - تعالى - أن يسلبه إياها . وقال آخر : كفران النعم بوار . وقال آخر : استدع شاردها بالشكر ، واستدم راهنها بلزوم حسن الجوار . ومن كلامهم : لا زوال للنعمة إذا شكرت ، ولا بقاء لها إذا كفرت . حصن نعمتك من الزوال ، بحسن الشكر والنوال . وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي في تبصرته : عباد الله قد توفرت النعم عليكم فاشكروا ، وقد أعطيتم ما لم تسألوا فاذكروا . واعرفوا المنعم واعلموا أن النعم منه ، وتعبدوا بشكره ، وقصوا أجنحة النعم بمقراض الشكر . فقل أن تنفر فتعود . واحذروا لباس البطر في النعم ، واطلبوا بالشكر المزيد . وهذا باب واسع ، وفيما ذكرنا كفاية .
| مطلب : مثالب الحسد
وأما مثالب الحسد فهي أكثر من أن تذكر . وأشهر من أن تسطر . ولكن ما لا يستطاع ذكر كله لا يترك بعضه . فاعلم - رحمك الله تعالى - أن أول معصية وقعت من الخلق الحسد لما حسد إبليس آدم ، ثم حسد قابيل هابيل . والحسد لا يكون إلا على نعمة . ومتى أنعم الله على عبد نعمة فأحب أحد أن يكون له مثلها من غير أن تزول عن المحسود ، فذلك الحسد يسمى غبطة ولا لوم فيه ولا ذم . وإن أحب زوالها عن المحسود فهذا الحسد المذموم ، وصاحبه الملوم الظلوم . ثم إن هذا الحاسد تارة يحب زوالها عن المحسود ومجيئها إليه ، وهذا قبيح . لأنه إيثار في ضمنه اعتراض . وأقبح منه طلب زوالها عن المحسود ، وحصولها إلى غيره . وأقبح منهما طلب زوالها مطلقا ، فهذا عدو نعم الله - تعالى . وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { لا تباغضوا ولا