والوجه الثاني : أن الكبر يدعو إلى مخالفة الله - عز وجل - في أمره ونهيه ؛ لأن المتكبر يأنف من قبول الحق ، وإذا قيل له : اتق الله أخذته العزة بالإثم . ولذا قال عليه السلام ﴿ الكبر بطر الحق وغمط الناس ﴾ وربما تكبر العالم واحتقر الناس ، ويرى أنه في الآخرة أعلى منهم منزلة ، وليس هذا بعالم بل ظالم ، لأن العلم هو الذي يعرف الإنسان نفسه ، ويعلمه حجة الله عليه فيزيده خوفا . ولذا قال أبو الدرداء رضي الله عنه من ازداد علما ازداد وجعا . وربما كان العلم حجة عليه عند الله تعالى . وربما تكبر العابد بعبادته ، ولعلها غير مقبولة عند الله جل شأنه . وربما تكبر صاحب النسب بنسبه ونسي قوله تعالى ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وربما تكبر الغني بغناه ، ولو عرف المسكين آفة الغنى وشرف الفقر ، وأن الدنيا لو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ، وأن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة بخمسمائة عام ، لما تكبر بها . .
| مطلب : الكبر الذي لا يدخل صاحبه الجنة هو كبر الكفر
. ( الرابع ) : تقدم في الأحاديث أن من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يدخل الجنة . وأنتم تقولون : الكبر غاية أمره أن يكون من الكبائر ، وذو الكبيرة ليس بمخلد في النار ، ولا توجب دخوله لها عند أهل السنة والجماعة ، خلافا للمعتزلة فيما إذا مات مصرا عليها . والجواب عن هذا : أنا نعني بالكبر الذي لا يدخل صاحبه الجنة كبر الكفر ، فإن العبد قد يتكبر على الخالق لفرط جهله فيكفر به ، ولا يعبده ، وربما تكبر على أنبيائه ورسله ، وهذا كافر لا يدخل الجنة أبدا . قال في النهاية في قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ﴾ يعني كبر الكفر والشرك لقوله تعالى ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾ ألا ترى أنه قابله في نقيضه بالإيمان فقال : ولا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، أراد دخول تأبيد . وقيل : أراد إذا أدخل الجنة نزع ما في قلبه من الكبر كقوله تعالى ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ ومنه الحديث ﴿ ولكن الكبر من بطر الحق ﴾ هذا الحديث معناه ، ولكن ذو الكبر ، أو لكن الكبر كبر من بطر الحق كقوله تعالى ﴿ ولكن البر من اتقى ﴾ . انتهى .
| مطلب : في بيان منشأ العجب ، وأنه ليس من شأن العقلاء .
( الخامس ) : العجب إنما يكون ويوجد من الإنسان لاستشعار وصف كمال ، ومن أعجب بعمله استعظمه فكأنه يمن على الله - سبحانه وتعالى - بطاعته ، وربما ظن أنها جعلت له عند الله موضعا ، وأنه قد استوجب بها جزاء ، ويكون قد أهلك نفسه ، فقد قال عليه الصلاة والسلام