﴿ ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه ﴾ وربما منعه عجبه من الازدياد ، ولهذا قالوا : عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله . وما أضر العجب بالمحاسن . وسبب العجب وعلته الجهل المحض . ومن أعجب بطاعته مثلا فما فهم أنها بالتوفيق حصلت . فإن قال : رآني أهلا لها فوفقني . قيل له : فتلك نعمة من منه وفضله فلا تقابل بالإعجاب . وفي صيد الخاطر للإمام الحافظ ابن الجوزي - طيب الله ثراه - : إذا تم علم الإنسان لم ير لنفسه عملا ، ولم يعجب به لأشياء : منها أنه وفق لذلك العمل ، وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم . ومنها أنه إذا قيس بالنعم لم يف بمعشار عشرها ، ومنها أنه إذا لوحظت عظمة المخدوم احتقر كل عمل وتعبد . هذا إذا سلم من شائبة وخلص من غفلة ، فأما والغفلات تحيط به فينبغي أن يغلب الحذر من رده ويخاف العقاب على التقصير فيه فيشتغل عن النظر إليه ، وتأمل على الفطناء أحوالهم في ذلك . فالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون قالوا : ما عبدناك حق عبادتك . والخليل عليه الصلاة والسلام يقول ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ وما دل بصبره على النار وتسليمه الولد إلى الذبح . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ﴿ ما منكم من ينجيه عمله قالوا : ولا أنت ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ﴾ . وعمر يقول : لو أن لي طلاعا على الأرض لافتديت بها من هول ما أمامي قبل ( أن ) أعلم ما الخبر . وابن مسعود : يقول : وددت إذ مت لا أبعث . وعائشة تقول : ليتني كنت نسيا منسيا . وهذا شأن جميع العقلاء . وقد روي عن قوم من صلحاء بني إسرائيل ما يدل على قلة الإفهام لما شرحته ؛ لأنهم نظروا إلى أعمالهم فأدلوا بها .
| مطلب : حكاية العابد
. فمنه حديث العابد الذي تعبد خمسمائة سنة في جزيرة ، وأخرج له كل ليلة رمانة ، وسأل الله - تعالى - أن يميته في سجوده ، فإذا حشر قيل له ادخل الجنة برحمتي ، قال بل بعملي ، فيوزن جميع عمله بنعمة واحدة فلا يفي ، فيقول : يا رب برحمتك . قلت : هذا الحديث الذي أشار إليه الإمام الحافظ ابن الجوزي أخرجه الحاكم عن سليمان بن هرم عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه وقال صحيح الإسناد . قال جابر { خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خرج من عندي خليلي جبريل آنفا فقال : يا محمد والذي بعثك بالحق إن لله عبدا من عباده عبد الله خمسمائة سنة على رأس جبل في البحر ، عرضه وطوله ثلاثون ذراعا في ثلاثين ذراعا ، والبحر محيط به أربعة آلاف فرسخ من كل ناحية وأخرج له عينا عذبة بعرض الأصبع تبض بماء عذب ، فيستنقع في أسفل الجبل ،