مجرور بالإضافة أي أفضل شؤون الإنسان مراعاة الوسط بين الخشونة والنعومة ، والرقيق الشفاف من الثياب ، والصفيق الخشن منها ، فخير الأمور أوسطها ( وحال بين ) حالين ( أردى وأجود ) فيكون بين طرفي الإفراط والتفريط . قال الجوهري : الوسط محركة من كل شيء : أعدله . قال تعالى ﴿ جعلناكم أمة وسطا ﴾ أي عدلا . وذكره في القاموس أيضا ، وقال : ووسط الشيء محركة ، ما بين طرفيه كأوسطه ، فإذا سكنت كانت ظرفا ، أو هما فيما هو مصمت كالحلقة ، فإذا كانت أجزاؤه متباينة فبالإسكان فقط ، أو كل موضع صلح فيه بين فهو بالتسكين وإلا فبالتحريك . انتهى . ودليل هذا يعني اختيار حالة التوسط أكثر من أن تذكر ، والقرآن مملوء من ذلك في شؤون شتى ، مثل ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ﴾ ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ﴾ . ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ﴾ ﴿ واقصد في مشيك واغضض من صوتك ﴾ ، والقصد ما بين الإسراف والتقتير . وقد روى الطبراني بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي يعفور قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يسأله رجل ما ألبس من الثياب ؟ قال : ما لا يزدريك فيه السفهاء ويعيبك به الحكماء . قال ما هو ؟ قال : بين الخمسة دراهم إلى العشرين درهما . وفي كتاب الغيبة لابن أبي الدنيا عن سيدة النساء فاطمة رضوان الله عليها ، والطبراني في الكبير ، والأوسط عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا ﴿ شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ، الذين يأكلون ألوان الطعام ، ويلبسون ألوان الثياب ، ويتشدقون في الكلام ﴾ هذا لفظ حديث سيدتنا فاطمة . ولفظ حديث أبي أمامة ﴿ سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ، ويشربون ألوان الشراب ويلبسون ألوان الثياب ، ويتشدقون في الكلام ، فأولئك شرار أمتي ﴾ وهما ضعيفان كما أشار إليهما المنذري رحمه الله تعالى . . وأخرج النسائي من طريق عبد الله بن يزيد ﴿ أن رجلا من الصحابة يقال له عبيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن كثير من الإرفاه ﴾ قال في فتح الباري : الإرفاه بكسر الهمزة وبفاء آخره هاء ، التنعم والراحة . ومنه الرفه بفتحتين . وقيد في الحديث بالكثرة إشارة إلى أن الوسط المعتدل منه لا يذم . وبذلك جمع بين الأخبار . انتهى . وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ينبغي للعالم أن يتوسط في ملبسه ونفقته وليكن إلى التقليل أميل ، فإن الناس ينظرون إليه . وينبغي الاحتراز مما يقتدى فيه به ، فإنه متى ترخص في الدخول على السلاطين وجمع الحطام فاقتدى به غيره كان الإثم عليه ،
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ١٢٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ١٢٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي