فقلنا ما لك يا رسول الله ؟ فقال أما تسمعون ما أسمع ؟ فقلنا وما ذاك يا نبي الله ؟ قال هذان رجلان يعذبان في قبورهما عذابا شديدا في ذنب هين ، قلنا فيم ذاك ؟ قال كان أحدهما لا يستتر من البول ، وكان الآخر يؤذي الناس بلسانه ويمشي بينهم بالنميمة . | فدعا بجريدتين من جرائد النخل فجعل في كل قبر واحدة . | قلنا وهل ينفعهم ذلك ؟ قال نعم يخفف عنهما ما داما رطبتين ) . | قال الحافظ المنذري : قوله ( في ذنب هين ) أي هين عندهما وفي ظنهما لا أنه هين في نفس الأمر ، فقد تقدم في حديث ابن عباس قوله صلى الله عليه وسلم ( بلى إنه كبير ) قال : وقد أجمعت الأمة على تحريم النميمة وأنها من أعظم الذنوب عند الله تعالى . | انتهى . | أو يقال : أراد صلى الله عليه وسلم أنه هين تركه والتحرز منه . | قال الإمام ابن القيم في كتابه الروح : قد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجلين اللذين رآهما يعذبان في قبورهما ، يمشي أحدهما بالنميمة بين الناس ، ويترك الآخر الاستبراء من البول ، فهذا ترك الطهارة الواجبة . | وذلك ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس بلسانه وإن كان صادقا . | قال وفي هذا تنبيه على أن الموقع بينهم العداوة بالكذب والزور والبهتان أعظم عذابا . | كما أن في ترك الاستبراء من البول تنبيها على أن من ترك الصلاة التي الاستبراء من البول بعض واجباتها وشروطها فهو أشد عذابا . | انتهى . | وقد أبدى بعض أهل العلم نكتة ذلك وهي مما يكتب بالذهب على صفحات القلوب ، وذلك أن أول ما يسأل عنه الإنسان يوم القيامة ويقضي فيه الحق جل جلاله الصلاة والدماء . | والطهارة أقوى شروط الصلاة ومقدمتها ، فإذا لم يتنزه من البول ولم يستبرئ منه فقد فرط في شرط الصلاة . | وسبب وقوع الناس في سفك الدماء وإراقتها بغير حق العداوة ، ومقدمتها النميمة ، فإنها سبب العداوة ، وعذاب القبر مقدمة عذاب النار ، فناسب أن يبدأ بالمقدمات أولا . | فانظر هذه المناسبة وتأملها تجدها في غاية المطابقة جزاء وفاقا . | وأخرج الطبراني عن عبد الله بن بسر مرفوعا ( ليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه . | ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) . | وأخرج الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم ( خيار عباد الله الذين إذا رءوا ذكر الله ، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة ، الباغون البرآء العنت ) . | وأخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن شر الناس عند الله يوم القيامة ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ) وفي لفظ لهما ( تجدون من شرار الناس ) ولأبي داود والترمذي ( أن من شرار الناس ) .
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ١ · الصفحة ٨٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ١ · ص ٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي