سبحانه بساط الرجاء إلا عن هؤلاء وأمثالهم . | قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه الروح الكبرى : الرجاء لعبد قد امتلأ قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر , فمثل بين عينيه ما وعده الله من كرامته وجنته , فامتد القلب مائلا إلى ذلك شوقا إليه وحرصا عليه , فهو شبيه بالماد عنقه إلى مطلوب قد صار نصب عينيه . | قال وعلامة الرجاء الصحيح أن الراجي لخوف فوت الجنة وذهاب حظه منها يترك ما يخاف أن يحول بينه وبين دخولها . | وأما الأماني فإنها رءوس أموال المفاليس , أخرجوها في قالب الرجاء , وتلك أمانيهم , وهي تصدر من قلب تزاحمت عليه وساوس النفس فأظلم من دخانها , فهو يستعمل قلبه في شهواتها , وكلما فعل ذلك منته حسن العاقبة والنجاة , وأحالته على العفو والمغفرة , والفضل , وأن الكريم لا يستوفي حقه ولا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفرة ويسمي ذلك رجاء , وإنما هو وساوس وأماني باطلة تقذف بها النفس إلى القلب الجاهل فيستروح إليها قال تعالى | ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ﴾ فإذا قالت لك النفس أنا في مقام الرجاء فطالبها بالبرهان , وقل هذه أمنية فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين . فالكيس يعمل أعمال البر على الطمع والرجاء . والأحمق العاجز يعطل أعمال البر ويتكل على الأماني التي يسميها رجاء . | والحاصل أن حسن الظن والرجاء إن حمل على العمل وحث عليه وساق إليه فهو صحيح ونافع , وهو من أجل المقامات ورءوس المعاملات وإن دعا إلى البطالة والتواني والانهماك في المعاصي والأماني والانكباب على الضلالة والأغاني فهو غرور ضار مهلك لصاحبه , وقاطع له عن ربه , وقامع لهمته عن حبه . | وحسن الظن هو الرجاء , فمن كان رجاؤه حاديا له على الطاعة زاجرا له عن المعصية فهو رجاء صحيح , ومن كانت بطالته رجاء , ورجاؤه بطالة وتفريطا فهو المغرور , والله ولي الأمور . | ولو أن رجلا له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه , فأهملها بلا حرث ولم يبذرها وحسن ظنه بأنه يأتي من مغلها مثل ما أتى من حرث وبذر وسقى وتعاهد الأرض لعده الناس من أسفه السفهاء , وكذا لو حسن ظنه وقوي رجاؤه أن يأتيه ولد من غير جماع , أو يصير أعلم زمانه من غير طلب للعلم , وبذل مجهوده في تحصيله وتقييد شوارده وتحقيق فوائده وأمثال ذلك , وكذا من حسن ظنه , وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلى والنعيم المقيم , من غير عمل ولا طاعة ولا امتثال لما أمر تعالى به واجتناب ما نهى عنه , فإنه يكون من أسفه السفهاء ويعد من أحمق الحمقاء . | ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه أمورا . | أحدها محبة ما يرجوه . | الثاني خوفه من فواته . | الثالث سعيه في تحصيله بحسب الإمكان . | وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني , والرجاء شيء والأماني شيء فكل راج خائف , والسائر
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ١ · الصفحة ٣٦٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ١ · ص ٣٦٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي