العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان : إحداهما حركته للهرب منه وهي حالة الخوف , والثانية سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه وهي الخشية . | قال وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه , وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه . | وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع . | وأما الوجل فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته . | وأما الهيبة فخوف مقارن للتعظيم والإجلال وأكثرها تكون مع المعرفة والمحبة . | والإجلال تعظيم مقرون بالحب . | فالخوف لعامة المؤمنين , والخشية للعلماء العارفين , والهيبة للمحبين , والإجلال للمقربين , وعلى قدر العلم يكون الخوف والخشية كما قال صلى الله عليه وسلم ( إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) وقال ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا , ولبكيتم كثيرا , ولما تلذذتم بالنساء على الفرش , ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى ) انتهى . | فالخوف سوط يسوق المتمادي , ويقوم الأعوج ، ويلين القاسي , ويطوع المستصعب . | وليس هو مقصودا لذاته بخلاف الرجاء ، فمن ثم ينبغي أن يرجح على الخوف . | ( الرجا ) بالمد وقصره لضرورة الوزن ضد اليأس . | قال في المطالع والجمهرة : فعلت رجاء كذا ورجاء كذا بمعنى طمعي فيه وأملي . | قال ويكون أيضا الرجاء كذلك ممدودا بمعنى الخوف , ومنه الحديث ( إنا لنرجو ونخاف أن نلقى العدو غدا ) قال الله تعالى | ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقارا ﴾ أي لا تخافون عظمة . | ومن كان يرجو لقاء ربه أي يخاف . | يقال في الأمل رجوت ورجيت , وفي الخوف بالواو لا غير . | قال بعضهم : إذا استعملته العرب في الخوف ألزمته لأحرف النفي ولم تستعمله مفردا إلا في الأمل والطمع وفي ضمنه الخوف , إلا أن يكون ما يؤمله . | قال في المطالع : وهذا الحديث يرد قول هذا فقد استعملته بغير لا . | انتهى . | وقال الإمام المحقق في شرح منازل السائرين : الخوف مستلزم للرجاء , والرجاء مستلزم للخوف , فكل راج خائف , وكل خائف راج , ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف . | قال تعالى | ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقارا ﴾ قال كثير من المفسرين : المعنى ما لكم لا تخافون لله عظمة . | قالوا : والرجاء بمعنى الخوف . | قال : والتحقيق أنه ملازم له , فكل راج خائف من فوات مرجوه , والخوف بلا رجاء يأس وقنوط . | وقال تعالى | ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ قالوا في تفسيرها لا يخافون وقائع الله بهم كوقائعه بمن قبلهم من الأمم . | انتهى . | واعلم أن العبد المؤمن لا بد أن يجمع بين الرجاء والخوف , وينبغي أن يكونا متعادلين كجناحي الطائر . | وذكر جماعة أنه يغلب الخوف مطلقا , وقيل يغلب الرجاء
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ١ · الصفحة ٣٥٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ١ · ص ٣٥٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي