الملك لله من يظفر بنيل غنى
يردده قسرا ويضمن عنده الدركا
لو كان لي أو لغيري قيد أنملة
فوق التراب لكان الأمر مشتركا
قال الشيخ مرعى الحنبلي في كتابه «نزهة الناظرين» وفي أيامه تزايد ظهور شأن إسماعيل شاه، واستولى على سائر ملوك العجم، وملك خراسان وأذربيجان وتبريز، وبغداد وعراق العجم، وقهر ملوكهم، وقتل عساكرهم، بحيث قتل ما يزيد على ألف ألف! وكان عسكره يسجدون له، ويأتمرون بأمره وكان يدعى الربوية، وقتل العلماء وأحرق كتبهم ونبش قبور المشايخ من أهل السنة وأخرج عظامهم وأحرقها. وكان إن قتل أميرا أباح زوجته وأمواله لشخص آخر، فلما بلغ السلطان سليم ذلك تحركت همته لقتاله وعد ذلك من أفضل الجهاد، فالتقى معه بقرب تبريز بعسكر جرار، وكانت وقعة عظيمة، فانهزم جيش إسماعيل شاه واستولى سليم على خيامه وأعطى الرعية الأمان، ثم أراد الإقامة بالعجم للتمكن من الاستيلاء عليها، فما أمكنه ذلك لشدة القحط بحيث بيعت العليقة بمئة درهم والرغيف بمئة درهم، وسببه تخلف قوافل الميرة التي كان أعدها السلطان سليم، وما وجد في تبريز شيئا، لأن إسماعيل شاه عند انهزامه أمر بإحراق أجران الحب فاضطر سليم للعودة إلى بلاد الروم.
وفي أيامه كانت وقعة الغوري، وذلك أن سليم لما رجع من غزو إسماعيل شاه تفحص عن سبب انقطاع قوافل الميرة عنه فأخبر أن سببه سلطان مصر قانصوه الغوري، فإنه كان بينه وبين إسماعيل شاه محبة ومراسلات وهدايا، فلما تحقق سليم ذلك صم على قتال الغوري أولا، ثم بعده يتوجه لقتال إسماعيل شاه ثانيا، فتوجه بعسكره إلى جهة حلب سنة اثنتين وعشرين كما تقدم، فخرج الغوري بعساكر عظيمة لقتاله، ووقع المصاف بمرج دابق شمالي حلب، ورمى عسكر سليم عسكر الغوري بالبندق ولم يكن في عسكري الغوري شيء منه، فوقعت الهزيمة على عسكر الغوري بعد أن كانت النصرة له أولا، ثم فقد تحت سنابك الخيل وكان ذلك بمخاطرة خير بك والغزالي، بعد أن عهد إليهما السلطان سليم بتوليتهما مصر والشام.
ثم بعد الوقعة أخليا له حلب لأنهما معه في الباطن فأقبل سليم إلى حلب فخرجوا للقائه يطلبون الأمان ومعهم المصاحف يتلون جهارا
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
فقابلهم بالإجلال والإكرام ثم حضرت صلاة الجمعة فلما سمع الخطيب خطب باسمه وقال: «خادم الحرمين الشرفين» سجد لله شكرا على أن أهله لذلك ثم ارتحل للشام بعد أن أخلاها له خير بك والغزالي، فخرجوا للقائه ودعوا له فأكرمهم وأقام بها لتمهيد أمر المملكة، وأمر بعمارة قبة علي الشيخ محيي الدين بن عربي بصالحية دمشق ورتب عليها أوقافا كثيرة، ثم توجه إلى مصر فلما وصل إلى خان يونس بقرب غزة قتل فيه وزيره حسام باشا.
ثم لما دخل مصر وقع بينه وبين طومان باي سلطان الجراكسة حروب يطول ذكرها، وقتل بها وزيره سليم يوسف سنان باشا وكان مقداما ذا رأي وتدبير، فأسف سليم عليه بحيث قال: أي فائدة في مصر بلا يوسف! وقاتل طومان باي ومن معه من الأمراء قتالا شديدا وظهر لطومان باي شجاعة قوية عرف بها وشهد له بها الفريقان، وأوقع الفتك بعسكر السلطان سليم، ولولا شدة عضده بخير بك والغزالي ومكيدتهما ما ظفر بطومان باي، ثم لما ظفر به أراد أن يكرمه ويجعله نائبا عنه بمصر، فعارضه خير بك وخاف عاقبة فعله وقال لسليم: إنك إن فعلت ذلك استولى على السلطنة ثانيا، وحسن له قتله فقلته وصلبه بباب زويلة ودفنه كما أسلفنا.
ونزل السلطان سليم بالمقياس مدة إقامته بمصر بعيدا عن روائح القتلى وحذرا من المكيدة إلى أن مهدها، ثم ولى خير بك أمير الأمراء على مصر وولى الغزالي على الشام، وولى بمصر القضاة الأربعة وهم: قاضي القضاة كمال الدين الشافعي وقاضي القضاة نور الدين على بن يس الطرابلسي الحنفي وقاضي القضاة الدميري المالكي وقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن الحنبلي، واستولى على الأرض الحجازية وغيرها ورتب الرواتب، وأبقى الأوقاف على حالها، ورتب لأهل الحرمين في كل سنة سبعة آلاف إردب حب، ثم عاد إلى القسطنطينية وقد صرف غالب خزائنه، فأخر السفر إلى بلاد العجم ليجمع ما يستعين به على القتال، فظهر له في ظهره جمرة منعته الراحة وعجزت في علاجها حذاق الأطباء، ولا زالت به حتى حالت بينه وبين الأمنية فتوفي رحمه الله في رمضان أو شوال بعد علة نحو أربعين يوما، وذكر العلائي في تاريخه: «أنه خرج من القسطنطينية إلى جهة أدرنة وقد خرجت له تلك الجمرة تحت إبطه وأضلاعه، فلم يفطن بها حتى وصل إلى المكان الذي بارز فيه أباه أبا يزيد حين نازعه في السلطنة، فطلب له الأطباء فلم يدركوه إلا وقد تأكلت ووصلت إلى الأمعاء فلم يستطيعوا لها دفعا ولا نفسا ومات بها ودفن بأدرنة عند قبر أبيه. انتهى ملخصا.