ثم إنه بعد أن استودع إدارة مصر خير بك، رجع إلى سورية وأخذ بتنظيم إداراتها وكان نشاط هذا السلطان غير معهود المثال، وتوقد ذهنه فوق الخيال.
وكان محبا للعلماء والأدباء، مغرما بالعلم والعرفان، وكانت همته أعلى ما عهد في همم الرجال، وكان يتنكر ويخرج متنكرا فيختلط بالشعب ليطلع على حقائق الأحوال ويعرف ممن تشكو الرعايا فيقتص من العمال الذين يتحقق خروجهم عن جادة العدل، ولم يكن فيه عيب يذكر سوى شدة ميله إلى سفك الدماء، وكم قتل من إخوته ووزرائه وعماله، ولم يكن يجرؤ عليه إلا المفتي الجمالي، الذي يلقبه الأتراك ب«زنبيللي علي أفندي» لأنه كما تقدم الكلام كان عنده زنبيل معلق يضع فيه السائل سؤاله ويحركه فيجذبه الشيخ ويخرج منه السؤال ويجيب عليه ويعيده بالزنبيل الذي يسقط إلى أسفل فيأخذ الجواب منه.
ويقال إن السلطان سليم أراد حمل النصارى الذين في المملكة على الإسلام جميعا أو يخرجوا من البلاد فعارضه زنبيللي على أفندي أي المفتي الجمالي، وقال له: لا يحل له ذلك، وليس لنا إلا أن نأخذ منهم الجزية والطاعة. ويروي الناس بالتواتر شيئا آخر، وهو أن السلطان سليم أراد أن يجعل العربية لسانا رسميا للدولة فعارضه الأتراك في ذلك، ولم أطلع على هذه الرواية في الكتب ولكن الناس يتناقلونها كثيرا والله أعلم.
فأما قضية حمل النصارى الذين في المملكة على قبول الإسلام أو الرحيل منها فهو مروي بالتواتر وفي الكتب أيضا، فيكون قد ثبت أن الشريعة الإسلامية بعدالتها وأمانتها هي التي حفظت المسيحيين في السلطنة العثمانية أيام كان السلطان يقدر أن ينفذ جميع ما يريده بهم، ولذلك نجد ملاحدة الترك ينتقدون دائما العمل بالشرع الإسلامي بحجة كونه السبب في بقاء النصارى في السلطنة العثمانية، وأن بقاءهم كان السبب في ضعف تركيا، فملاحدة الترك يجعلون الشرع الإسلامي مذنبا في تهيئة الحظر السياسي الذي أصاب تركيا، ولذلك لما استولوا على الحكم بعد الحرب العامة أخرجوا جميع النصارى من تركيا، ولم يبق إلا النصارى الذين في القسطنطينية فقط، لأن الدول في مؤتمر لوزان لم توافق على إخلاء القسطنطينية من النصارى تماما وتقرر بمقابلتهم إبقاء مسلمي تراقية الغربية في بلاد اليونان.
ومن العجب أننا نرى الأوروبيين يعملون بكل قوتهم لمحو الشرعية الإسلامية التي في ظلها وبسببها لا غير بقي النصارى في جميع الممالك الإسلامية، وفي السلطنة العثمانية متمتعين بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلمون منذ ظهور الإسلام إلى يوم الناس، هذا وكان نصارى البلاد العثمانية بضعة عشر مليون نسمة، ومن العجب أننا نراهم مع ذلك يفضلون أن تكون الحكومات الإسلامية ملحدة ولو كانت تخرج جميع النصارى من بلادها، وهذا أقصى ما يتصوره العقل من التحامل والتعصب على الإسلام! يكرهونه ولو حفظهم ويحبون زواله ولو كان في ذلك زوالهم!
هذا ومات السلطان سليم في 22 سبتمبر 1520 فلم يقم في السلطنة أكثر من ثماني سنوات، ولو طالت مدة هذا الرجل العظيم على كرسي هذه السلطنة العظمى لما عرف أحد أية درجة من الشوكة والبسطة كانت تنتهي السلطنة العثمانية؟
وجاء في «شذرات الذهب» عن السلطان سليم ما يأتي:
وفي سنة ست وعشرين وتسع مئة توفي السلطان سليم بن أبي يزيد بن محمد السلطان المفخم والخاقان المعظم، سليم خان بن عثمان تاسع ملوك بني عثمان، هو من بيت رفع الله على قواعده فسطاط السلطنة الإسلامية، ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الإيمانية رفعوا عماد الاسم، وأعلنوا منارة وتواصوا باتباع السنة المطهرة وعرفوا للشرع الشريف مقداره، وصاحب الترجمة منهم هو الذي ملك بلاد العرب، واستخلصها من أيدي الشراكسة بعدما شتت جمعهم، فانفلوا عن مليكهم وجدوا في الهرب: ولد ب أماسية في سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة وجلس على تخت السلطنة وعمره ست وأربعون سنة بعد أن خلع والده نفسه عن السلطنة وسلمها إليه، وكان السلطان سليم ملكها قهارا، وسلطانا جبارا قوي البطش، كثير السفك، شديد التوجه إلى أهل النجدة والبأس، عظيم التجسس عن أخبار الناس، وربما غير لباسه وتجسس ليلا ونهارا وكان شديد اليقظة والتحفظ بحسب مطالعة التواريخ وأخبار الملوك، وله نظم بالفارسية والرومية والعربية، منه ما ذكر القطب الهندي المكي أنه رآه بخطه في الكشك الذي بني له بروضة المقياس بمصر ونصه: